حدث في مثل هذا اليوم (30 محرم الحرام)

حدث في مثل هذا اليوم (30 محرم الحرام)

قال صاحب كتاب (تقويم الشيعة) نقلاً عن بعض الكتب المعتبرة: إنه في هذا الشهر سنة 14هـ توفي أبو قحافة عثمان بن عامر التيمي والد الخليفة الأول أبي بكر وعمره 97، وقيل 99 سنة. وقد روي عنه أنه أسلم يوم فتح مكة، وقد روي أنه لما أخبر عن وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) قال: أمر جليل، فمن ولي الأمر بعده؟ قالوا: ولدك. قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف، وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: اللهم لا رافع لمن وضعت، ولا واضع لمن رفعت. وقد عاش بعد ولده أبي بكر وورثه، وهو أول من ورث الخليفة في الاسلام، فإن وفاته في شهر المحرم سنة 14هـ، ووفاة والده الخليفة بتاريخ 22/ 6/ 13 هـ.

***

قالوا: وفي اليوم الذي مات فيه والد الخليفة أبو بكر من شهر المحرم من سنة 14 من الهجرة ماتت فيه هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان التي مثّلت بحمزة يوم اُحد، وأرادت أن تأكل كبده، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

***

وفي هذا الشهر من سنة 15 أو سنة 16 هجرية توفيت أمّ المؤمنين مارية القبطية، زوجة الرسول(صلى الله عليه وآله)، وأم ولده إبراهيم، التي أهداها إليه المقوقس ملك مصر، وقد أنزلها رسول الله(صلى الله عليه وآله) في العالية (مشربة أم إبراهيم)، وكان يختلف إليها هناك. ويروى عن بعض نساء النبي(صلى الله عليه وآله) أنها قالت: ما غرت من امرأة (أي من زوجات الرسول(صلى الله عليه وآله)) إلا دون ما غرت من مارية، وذلك لجمالها([1]). وقيل: إن حديث الإفك فيها؛ فإنها لما حملت من الرسول، دون غيرها من زوجاته(صلى الله عليه وآله)، تناولها المنافقون بألسنتهم([2])، والله سبحانه وتعالى أعلم.

***

وفي اليوم الثلاثين من شهر المحرم الحرام سنة 189 هجرية، وقيل: في أول يوم من صفر، قتل الرشيد جعفر بن يحيى البرمكي.

وقد اختلف أهل التاريخ في السبب الذي دفع الرشيد إلى قتل جعفر بعد أن بلغ عنده من علو المرتبة ما لم يبلغه سواه، حتى إنه لا يكاد يصبر عن رؤيته لشدة محبته له. وكان الرشيد شديد المحبة أيضاً لأخته العباسة، فكان متى غاب أحدهما عنه لا يتمّ له سرور، فقال: يا جعفر، إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة، وإني سأزوّجها منك، ليحلّ لكما أن تجتمعا، ولكن إياكما أن تجتمعا وأنا دونكما، وزوّجه إياها على هذا الشرط، وجعل يجتمع بهما معاً.

وحصل بسبب الاجتماع، أن أحبت العباسة جعفراً، وأرادت منه ما تريده المرأة من زوجها، وجعلت تراسله في ذلك، فأبى، وخاف على نفسه من الرشيد، فلما أعيتها الحيلة عدلت إلى الخديعة، وكانت أم جعفر ترسل إليه في كل ليلة جمعة جاريةً بكراً، فيشرب معها النبيذ، ويعملان ما يعملان، فأرسلت إليها العباسة: أرسليني إلى جعفر كجارية من الجواري التي ترسلينها إليه، وإن لم تفعلي لأقولن لأخي: إنك خاطبتني بكيت وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكونن لكم الشرف به، وما عسى أن يفعل أخي لو علم ذلك من أمرنا بعد أن كان ما كان؟

فخافتها أم جعفر، وأرسلتها إليه، وكان لم يثبت صورتها؛ لأنه لم يرها إلا عند الرشيد، فلم يقدر أن يرفع إليها طرفه مخافةً من الرشيد. فلما قضى منها وطره قالت: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: وأي بنت ملك أنت؟ فقالت: أنا العباسة، فذهب إلى أمه، وقال لها: بعتني يا أماه رخيصاً؟ فأخبرته بعذرها، وحملت منه العباسة، وجاءت له بولد، فبعثت به إلى مكة، ولما علم الرشيد بذلك حقد عليه، إلى أن قتله، وحبس أباه وأخاه، إلى أن ماتا في السجن، وتتبع أولادهم وقراباتهم؛ لأنه لا يجدهم لمصاهرته أهلاً.

ولأبي نواس أبيات تدلّ على أن هذا هو السبب في قتلهم، وذلك أنه قال:

ألا قل لأمين اللـ *** ـه وابن القادة الساسه
إذا ما غادرٌ سرَّ *** ك أن تفقده راسه
فلا تقتله بالسيف *** وزوجه بعبّاسه([3])

وقيل: إن سبب قتلهم أن الرشيد سلَّم إلى جعفر البرمكي يحيى بن عبد الله بن الحسن وأمره بقتله، فلما أراد قتله قال: احذر أن يكون خصمك جدي، فوالله ما أحدثت حدثاً. فرَّق له، وأطلقه، فكان ذلك سبب قتلهم([4]). وقيل غير ذلك، والله أعلم.

ولما قتل البرامكة أكثر الشعراء في رثائهم؛ لكرمهم وجزيل إحسانهم إلى الناس، وكان ممن رثاهم دعبل بن علي الخزاعي، المتوفى 22/ 1/ 246 هجرية، فقال:

ولما رأيت السيف جدل جعفراً *** ونادى منادٍ للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنه *** قصارى الفتى فيها مفارقة الأحيا([5])

***

قال ابن خلكان([6]) وغيره([7]): وقيل: في المحرم سنة 232 هجرية توفي بالموصل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، الشاعر الإمامي المشهور الذي بلغ من الشعر درجة لم يبلغها شاعر قبله ولا بعده. وقد نظم في كل ضرب من ضروب الشعر، ولكنه نبغ في الرثاء نبوغاً باهراً، وترك جميع الشعراء خلفه. ومن تلك المراثي مرثيته لمحمد بن حميد الطوسي الطاهري الذي كان من قواد جيش المأمون العباسي، ولّاه قتال زريق وبابك الخرمي الثائرين سنة 211 هجرية، فقاتل زريقاً حتى استسلم، فسيَّره إلى المأمون، وسار إلى أذربيجان، فأخرج منها المتغلبين عليها، وتوجه إلى بابك الخرمي، فقاتله، فكمن له جماعة من أصحاب بابك، فلما خرجوا عليه صمد لهم، فضربوا فرسه بمزراق فسقط إلى الأرض، فأكبوا عليه، فقتلوه سنة 214، فعظم مقتله على المأمون، ورثاه أبوتمام الطائي، فقال فيه:

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمرُ *** فليس لعين لم يفِضْ ماؤها عذرُ
توفيت الآمال بعد محمد *** وأصبح في شغل عن السفر السفرُ
وما كان إلّا مال من قل ماله *** وذخراً لمن أمسى وليس له ذخرُ
ألا في سبيل الله من عطلت له *** فجاج سبيل الله وانثغر الثغرُ
فتى دهره شطران فيما ينوبه *** ففي بأسه شطر وفي جوده شطرُ
فتى مات بين الطعن والضرب ميتة *** تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ
وما مات حتى مات مضرب سيفه *** من الضرب واعتلت عليه القنا السمرُ
غدا غدوة والحمد نسبح ردائه *** فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجرُ
وقد كان فوت الموت سهلاً فردّه *** إليه الحفاظ المر والخلق الوعرُ
ونفس تعاف الضيم حتى كأنه *** هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفرُ
فأثبت في مستنقع الأرض رجله *** وقال لها من تحت أخمصك الحشرُ
تردّى ثياب الموت حمراً فما أتى *** لها الليل إلا وهي من سندس خضرُ

***

قال ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى بتاريخ 00/ 00/ 655 هجرية: سمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري، يقول: كأن أبيات أبي تمام في محمد ابن حميد الطائي يعني أبا تمام ما قيلت إلّا في الحسين (عليه السلام)([8]). ولأبي تمام قصيدته الرائية في يوم الغدير، ومنها قوله:

ويوم الغدير استوضح الحق أهله *** بفيحاء ما فيها حجاب ولا سترُ
أقام رسول الله يدعوهُمُ بها *** ليقربهم عرف وينهاهم نكرُ
يمد بضبعيه ويعلم أنه *** ولي ومولاكم فهل لكُمُ خبرُ
يروح ويغدو بالبيان لمعشر *** يروح بهم بكر ويغدو بهم عمرُ
فكان له جهر بإثبات حقه *** وكان لهم في بزهم حقه جهرُ([9])

رحمه الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

***

قال الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه المشهور (يسألونك): وفي المحرم من سنة 535 هجرية توفي رزين بن معاوية بن عمار العبدري السرقسطي الأندلسي؛ نسبة إلى مدينة (سرقسطة) من بلاد الأندلس، جاور بمكة المكرمة مدة أعوام، وحدَّث بها، وصار إماماً بها للمالكية. وكان رجلاً فاضلاً عالماً بالحديث وغيره، وله مؤلفات وتصانيف حسان، منها: كتاب في (أخبار مكة)، وكتاب يسمى (تجريد الصحاح الستة في الحديث) وقد جمع في هذا الكتاب الأحاديث التي وردت في الكتب الستة، وهي: صحيح البخاري، المتوفى بتاريخ 1/ 10/ 256 هجرية؛ وصحيح مسلم، المتوفى 261؛ عن عمر يناهز الخمسة والخمسين عاماً وصحيح أبي داود، المتوفى 275؛ وصحيح الترمذي، المتوفى 279؛ وصحيح النسائي، المتوفى 303؛ وموطأ مالك، المتوفى 10/ 3/ 179، فكان بسبب ذلك يسمى جامع كتب الحديث.

***

وفي هذا اليوم من سنة 903 هجرية توفي الخليفة الثالث عشر من خلفاء بني العباس بمصر، وهو المتوكل على الله، وعمره 84 سنة، ومدة خلافته منها 19 سنة، وتولى بعده ولده المستمسك بالله.

______________________

([1]) انظر رسالة حول خبر مارية (الشيخ المفيد): 26.

([2]) انظر دلائل الإمامة (الطبري الإمامي): 386.

([3]) وفيات الأعيان 1: 334.

([4]) وفيات الأعيان 1: 334ـ335.

([5]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 7: 170؛ وفيات الأعيان 1: 340.

([6]) وفيات الأعيان 2: 14.

([7]) شرح نهج البلاغة 3: 249.

([8]) شرح نهج البلاغة 3: 249.

([9]) مناقب آل أبي طالب 2: 242؛ الصراط المستقيم 1: 312.

Leave a Comment

You must be logged in to post a comment.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top