بدر الكبرى أيضاً

بدر الكبرى أيضاً

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

ذكروا أن النبي(ص) لما نظر يوم بدر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال: اللهم أنجز لي كا وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه ماداً يديه حتى سقط رداؤه من منكبيه فأنزل الله عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية ولما أمسى وجنه الليل ألقى الله على أصحابه النعاس وكانوا قد نزلوا في موضع كثير الرمل لا يثبت فيه قدم فأنزل الله عليهم المطر رذاذاً حتى لبد الأرض وثبت أقدامهم وكان المطر على قريش مثل العزالي وألقى الله في قلوبهم الرعب ولما أصبح رسول الله(ص) عبأ أصحابه فكان في عسكره فرسان للزبير والمقداد وسبعون جملاً كانوا يتعاقبون عليها وكان في عسكر قريش أربعمائة فرس فلما نظرت قريش إلى قلة أصحاب رسول الله(ص) قال أبو جهل ما هم إلا أكلة رأس لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذاً باليد فقال عتبة بن ربيعة أترى لهم كميناً أو مدداً فبعثوا عمير بن وهب الجمحي وكان فارساً شجاعاً فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله(ص) ثم رجع فقال ليس لهم كمين ولا مدد ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع أما ترونهم خرساً لا يتكلمون ويتلمظون تلمظ الأفاعي ما لهم ملجأ إلا سيوفهم وما أراهم يولون حتى يقتلوا ولا تقتلون حتى يقتلوا بعددهم فارتائوا رأيكم فقال له أبو جهل: كذبت وجبنت.

وإن الله تبارك وتعالى أنزل على نبيه قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ فبعث إليهم رسول الله(ص)فقال يا معشر قريش إني أكره أن أبدء بكم فخلوني والعرب وارجعوا فقال عتبة ما رد هذا قوم قط فافلحوا ثم ركب جملاً له أحمر فنظر إليه رسول الله(ص) وهو يجول بين العسكرين وينهى عن القتال فقال(ص) إن يكن عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر وإن يطيعوه يرشدوا وخطب عتبة فقال في خطبته يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدهر إن محمداً له إلى وذمة وهو ابن عمكم فخلوه والعرت فإن يك صادقاً فأنتم أعلى به عيناً وإن يك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره فغاظ أبا جهل قوله وقال له جبنت وانتفخ سحرك فقال له:  يا مصفر استه مثلي يجبن وستعلم قريش أينا ألأم وأجبن وأينا المفسد لقومه ولبس درعه وتقدم هو وأخوه شيبة وابنه الوليد وقال يا محمد اخرج إلينا أكفائنا من قريش فبرز إليهم ثلاثة نفر من الأنصار وانتسبوا لهم فقال لهم ارجعوا إنما نريد الأكفاء من قريش فنظر رسول الله(ص) إلى عبيدة ابن الحرث بن عبد المطلب وكان له يومئذ سبعون سنة فقال قم يا عبيدة ونظر إلى حمزة وقال قم يا عم ثم نظر إلى علي بن أبي طالب فقال قم يا علي وكان أصغر القوم فاطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفىء نور الله ويأبي الله إلا أن يتم نوره ثم قال يا عبيدة عليك بعتبة بن ربيعة وقال لحمزة عليك بشيبة وقال لعلي(ع) عليك بالوليد فمروا حتى انتهوا إلى القوم فقالوا أكفاء كرام فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنها فسقطا جميعاً وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيفين حتى انثلما وحمل أمير المؤمنين علي على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه قال علي لقد أخذ الوليد يمينه بيساره فضرب بها هامتي فظننت السماء وقعت على الأرض ثم اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون يا علي أما ترى الكلب قد أبهر عمك فحمل عليه علي وقال يا عم طأطأ رأسك وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علي فطرح نصفه ثم جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه ثم جاء مع عمه حمزة واحتملا عبيدة وبه رمق وجاءا به إلى رسول الله(ص) فلما رآه استعبر(ص) فقال عبيدة يا رسول الله ألست شهيداً قال بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي وصرخ أبو جهل بالناس يحرضهم على القتال ويقول لا تعجلوا ولا تبطروا كما بطر أبناء ربيعة عليكم بأهل يثرب فأجزروهم جزراً وعليكم بقريش فخذوهم أخذاً حتى ندخلهم مكة فنعرفهم ضلالتهم التي هم عليها وجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك ابن جشعم فقال لهم أنار جار لكم ادفعوا إلي رايتكم فدفعوا إليه راية الميسرة وكانت الراية مع بني عبد الدار فنظر إليه رسول الله فقال غضوا أبصاركم وعضوا على النواجذ ورفع يده داعياً بما تقدم ثم أصابه الغشي ثم سرى عنه وهو يسلت العرق عن وجهه فقال هذا جبرئيل قد أتاكم في الف من الملائكة مردفين فكان الرجل من أصحاب رسول الله(ص) حين التقى الفريقان يشير إلى رأس المشرك بالسيف فيقع رأسه قبل أن يصل إليه و إن إبليس لما رأى جبريل مع الملائكة رمى الراية من يده وفر مهرولاً فتعلق به أبو جهل قائلاً مالك يا سراقة تفت في أعضاد الناس فقال له دعني إني أرى ما لا ترون فكان النصر طبعاً لرسول الله(ص) فقتل من المشركين سبعين و أسر سبعين وكانت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top