الصديق والعدو

الصديق والعدو

يا بني، استكثر من الأصدقاء، ولا تأمن الأعداء، فإن الغلَّ في صدورهم مثل الماء تحت التـراب.

يا بني، صاحب مائةً ولا تعادي واحداً.

يا بني، اتخذ ألف صديق، وألف قليل، ولا تأخذ عدواً واحداً، والواحد كثير.

ومما ينسب لأمير المؤمنين قوله u:

تكثَّر من الإخوان ما اسطعت إنهم

عماد إذا ما استنجدوا وظهور

وليس كثيراً ألف خلٍّ وصاحب

وإن عدواً واحداً لكثير

يا بني، ليكن مما تتسلَّح به على عدوك فتصرعه المماسحة([1]) وإعلان الرضا عنه، ولا تزاوله بالمجانبة فيه، فيبدو له ما في نفسك فيتأهب لك، فليكن مما تستظهر به عليه الورع عن المحارم، والفضل في دينك، والصيانة لمروتك، والإكرام لنفسك أن تدنسها بمعاصي الرحمن ومساوي الأخلاق وقبيح الأفعال، واكتم سرَّك وأحسن سريرتك، فإنك إذا فعلت ذلك أمنت بستـر الله تعالى أن يصيب عدوك منك عورة، أو يقدر منك على زلة، ولا تأمنن مكره فيصيب منك غرة في بعض حالاتك، فإذا استمكن منك وثب عليك ولم يقلك عثرة ولم يغفر لك زلة، واستصغر الكبير في طلب المنفعة، واستعظم الصغير في ركوب المضرة.

يا بني، لا تحملن ّ على الناس فوق طاقتهم، فلا يزال جليسك نافراً عنك، والمحمول عليه فوق طاقته مجانباً لك، فإذا أنت فرد لا صاحب لك يؤنسك، ولا أخ لك يعضدك، فإذا بقيت وحيداً كنت مخذولاً وصرت ذليلاً، ولا تعتذر إلى من لا يقبل لك عذراً ولا يرى لك حقاً، ولا تستعن في أمورك إلا بمن يحب أن يتخذ في قضاء حاجتك أجراً، فإنه إذا كان كذلك كان طلب قضاء حاجتك كطلبه لنفسه، لأنه يعد نجاحها لك ربحاً في الدنيا الفانية وحظاً وذخراً له في الدار الباقية، فيجتهد في قضائها لك.

وليكن إخوانك وأصحابك الذين تستخلصهم لنفسك وتستعين بهم على أمرك أهل المروة والكفاف، والثروة والعقل والعفاف، الذين إن نفعتهم شكروك، وإن غبت عن جيرتهم ذكروك.

وينسب لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في هذا المعنى قوله:

رأتك الليالي يا ابن آدم ظالماً

وخير الورى من يعف عند اقتداره

يقول لك العقل الذي زيَّن الورى

إذا لم تكن تقدر عدوَّك داره

ولاقيه بالتـرحيب والرحب والقِرى

ويمم لـه ما دمت تحت اقتداره

وقبِّل يد الجاني الذي لست قادراً

على قطعها وارقب سقوط جداره

والصديق بحق: هو الذي إذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدَّق قولك، وإن رأى منك حسنة عدَّها… إلى آخر ما تقدم.



([1]) المماسحة: هي المصادقة والمواعدة.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top