يوم الأربعين ـ ٢

يوم الأربعين ـ ٢

وروى غير واحدٍ من أنّه لما قطع الشمر رأس الحسين(ع) كبّر وكبّرت العسكر ثلاث تكبيرات، فتزلزت الأرض، وأظلم الشرق والغرب، وأخذت الناس الرجفة والصواعق، وأمطرت السماء دماً عبيطاً وتراباً أحمراً، ونادى منادٍ من السماء: «قُتل الإمام ابن الإمام، أخو الإمام، أبو الأئمة الحسين بن علي بن أبي طالب».

قال أهل السير: «إن عمر بن سعد بعث برأس الحسين(ع) في ذلك اليوم ـ وهو يوم العاشر من المحرم ـ مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد. وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته وسرحها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحاج، فأقبلوا حتى قدموا بها الكوفة، وأقام عمر بن سعد يومه واليوم الثاني إلى الزوال، ثم رحل بمن تخلّف من عيال الحسين(ع)، وحمل نساءه على أحلاس الجمال بغير وطاء مكشّفات الوجوه بين الأعادي ودائع خير الأنبياء، وساقوهنّ كما يُساق سبى التُرك والروم في أسر المصائب والهموم».

 وفي الزيارة التي خرجت من الناحية لمولانا صاحب العصر والزمان#: «وسبي أهلك كالعبيد، وصفدرا بالحديد، فوق أقتاب المطيات تلفح وجوههم حر الهاجرات، يساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يُطاف بهم في الأسواق».

وروي عن المناقب وابن نما أن عمر بن سعد لما دفع الرأس الشريف إلى خولي بن يزيد ليحمله إلى ابن زياد، أقبل به خولي ليلاً، فوجد باب القصر مغلقاً، فأتى به إلى منزله، وكانت له امرأتان: أحدهما من بني أسد، والأُخرى حضرمية يقال لها النوادر، فأوى إلى فراشها، فقالت له: ما الخبر؟ فقال: جئتك بالذهب والفضة، هذا رأس الحسين معك في الدار. فقالت: ويحك، جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس الحسين ابن بنت رسول الله؟ والله لا تجمع رأسي ورأسك وسادة، قالت: فقمت من فراشي وخرجت من الدار، فدعا بالأسدية، فما زلت والله أنظر إلى النور مثل عمود الجوهر يصطع من الإجانة التي فيها رأس الحسين إلى عنان السماء، ورأيت طيوراً بيضاً ترفرف حولها.

 وفي نقل آخر: إن الرأس الشريف كان بيد شمر (لعنه الله) كما عن الواقدي، قال: «لما حمل شمر رأس الحسين جعله في مخلاة، وذهب به إلى منزله ووضعه على التراب وجعل عليه إجانة، فخرجت امرأته ليلاً فرأت نوراً ساطعاً إلى عنان السماء، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً تحتها، فجاءت إلى الشمر (لعنه الله) وقالت: رأيت كذا وكذا، فأي شيء تحت الإجانة؟ فقال: رأس خارجي قتلته وأريد أن أذهب به إلى يزيد ليعطيني عليه مالاً جزيلاً. قالت: ومن يكون؟ قال: الحسين بن علي بن أبي طالب. فصاحت وخرّت مغشياً عليها، فلما أفاقت قالت: يا شر المجوس أما خفت من إله الأرض والسماء؟ ثم خرجت من عنده باكية، وأخذت الرأس وقبّلته ووضعته في حجرها، ودعت نساء يساعدنها في البكاء عليه، وقالت: لعن الله قاتلك. فلما جنّ اللّيل وغلبها النوم، رأت كأن الحائط قد انشقّ وامتلأ البيت نوراً، وجاءت سحابة فإذا فيها امرأتان، فأخذن الرأس الشريف، فسألتْ عنهما، فقيل هما خديجة وفاطمة. قالت: ثم رأيت رجالاً كثيرة وفي وسطهم رجل وجهه كالقمر ليلة تمامه، فسألت عنه فقيل محمد(ص)، وعن يمينه الحمزة وجعفر وأصحابه، وبكوا وقبّلوا الرأس، ثم جاءت خديجة وفاطمة إليها وقالتا لها: تمنّي ما شئت، فإن لكِ عندنا منَّة وبدّاً بما فعلت، فإن أردت أن تكوني من رفقائنا في الجنة فأصلحي أمرك، فإنا منتظروك. فانتبهت من نومها ورأس الحسين في حجرها، فجاء شمر في طلب الرأس فلم تدفعه إليه، فقالت له: يا عدو الله طلّقني فإنك يهودي، والله لا أكون معك أبداً. فطلَّقَها فقالت: والله لا أدفع لك هذا الرأس أو تقتلني، فضربها ضربة كانت فيها منيتها، وعجّل الله بروحها إلى الجنة».

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top