نــداء الملائكــة

نــداء الملائكــة

حقاً لقد أمر الله سبحانه وتعالى طوائف من الملائكة أن تنادي
لقمان (ع) وتوحي إليه أن الله تبارك وتعالى اختار خليفة في الأرض يحكم بين الناس بالحق، وقد كان ذلك عند انتصاف النهار وقت القائلة لما هدأت العيون ونامت الأبصار حيث كان الوقت صائفاً، وكان مما نادته به حيث يسمع ولا يرى:

«يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس».

فكان الجواب منه إن خيَّرني ربي قبلت العافية، وإن أمرني الله عز وجل وعزم عليَّ فالسمع والطاعة، لأنه إن فعل ذلك بي أعانني عليه وعصمني وعلمني.

فقالت له الملائكة: لِمَ قلت ذلك؟

قال: لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدنيا وأكثر فتناً وبلاء لما يُخذل ولا يُعان، ويغشاه الظلم من كل مكان، فصاحبه فيه بين أمرين إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلاً وضعيفاً كان أهون عليه في المعاد أن يكون فيها سرياً شريفاً، ومن اختار الدنيا على الآخرة خسرهما كلتيهما تزول هذه ولا تدرك تلك.

قال: فتعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه، فلما أمسى المساء، وأخذ لقمان مضجعه من الليل أنزل الله تعالى عليه الحكمة وغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم وغطي بالحكمة غطاء استيقظ منه، فلما استيقظ من نومته وإذا هو أحكم الناس وخرج عليهم ينطق بالحكمة، فكل من سمع كلامه أثبتها فيه، فاشتهر أمره وشاع ذكره، فكان الطبيب المداوي للقلوب، والأب الروحاني لكل من اتصل به، وعمت إفاداته كثيراً من الناس، فكان الهداة من أهل زمانه يأتون إليه، فيستفيدون منه ويأنسون بمنطقه ويستـريحون بحديثه، فيكثرون من أجل ذلك مجالسته، ولا بدع فإنه المحيي للقلوب الميتة.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top