سورة القدر / نزول القرآن الكريم

سورة القدر / نزول القرآن الكريم

قال تعالى:بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.

يقول بعض المفسرين: إنّ كلمة (أنزلناه) في هذه الآية وأمثالها ــ كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} ــ يختلف معناها عن كلمة {نَزَّلْنَا} كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وكقوله تعالى {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، إلى غير ذلك من الآيات المماثلة؛ فكلمة {أَنْزَلْنَا} تعني النزول دفعةً واحدةً، وكلمة {نَزَّلْنَا} تعني النزول تدريجاً، فإذا قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} فمعنى ذلك أنه جلّ وعلا أنزل القرآن في تلك الليلة دفعةً واحدةً من أوله إلى آخره.

ولكن إلى أين ذلك الإنزال؟ فقال بعضم: إنّه أنزله إلى البيت المعمور، ثمّ جعل جبرئيل ينزل به تدريجاً إلى الرسول| حتى أكمله في الثلاث والعشرين سنة التي هي مدة نبوته‘.

ولكن البعض الآخر قال: إنّ هذا القول لا دليل عليه، بل إنّ إنزاله في ليلة القدر دفعةً واحدة كان على قلب رسول الله| ولكن بصورة روح، أي بصورة معنى لا بصورة سور وآيات وحروف وكلمات، قالوا: وإلى ذلك أشارت الآية الكريمة وهي قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}. وبعد أن استقرت تلك الروح المباركة في نفس الرسول| بدأ الملك ينزله بعد ذلك عليه مرة ثانية بهيئة ألفاظ وكلمات وسور وآيات. قال بعضهم: ولدينا بهذا الشأن روايات كثيرة عن أهل البيت^.

وهناك من قال: إنه جلّ وعلا أنزله على قلب رسوله| في تلك الليلة بصورة ألفاظ وكلمات وسور وآيات، فحفظه من فاتحته إلى خاتمته، ولكنه لم يؤذن له في إذاعة شيء منه إلّا عندما تحصل له المناسبة المتعلقة بذلك الشيء، وبعد أن يرخّص له في إذاعة ما يتعلق بها. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}، وقوله تعالى {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}.

وقال آخرون: إنّ هذا القول لا ينكره من ينكره؛ لأنه مستحيل على الله جلّ وعلا، أو لأنه كثير على رسول الله|، بل ينكرونه ويستنكرونه لأنه يتعارض مع قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا}، ويتعارض مع قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}، يعني کما أنزلت التوراة على موسى، وكما أنزل الإنجيل على عيسى، والزبور على داود^، {کَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}، فإنّ هذه الآية الكريمة لم تنفِ نزول القرآن متفرقاً، بل أقرت وبينت الحکمة منه فقالت {کَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}، يعني أنّا أنزلناه كذلك شيئاً بعد شيء؛ {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}، أي ليتيسر حفظه وفهمه عليك وعلى أصحابك الذين تحفّظهم آياته وتعلّمهم معانيه، فإنه يكون عليك وعليهم بالنزول التدريجي أيسر وأسهل.

قالوا: ويساعد على ذلك أنه إذا كان نزوله تبعاً للحوادث والوقائع يكون أوضح بياناً وأبلغ أثراً.

ثم إنّ منه ناسخاً ومنسوخاً، ومنه ما هو جواب لسؤال، وما هو إنكار على قول أو فعل، أو بيان لحادثة، ولا يتأتى ذلك إلّا فيما ينزل متفرقاً. وقد كتب الشيخ جعفر السبحاني «حفظه الله» في كتابه: (سيد المرسلين) بحثاً موسعاً في أسرار النزول التدريجي للقرآن الكريم فراجع.

أما قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}، وقوله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}، فإنّهم قالوا: إنّ رسول الله| كان في أول أيام نزول الوحي عليه يتابع جبرئيل في قراءته؛ خوفاً من أن يفوته شيء مما يقرؤه عليه، فأمره الله جلّ وعلا في تينك الآيتين الشريفتين أن يصغي للقراءة، ولا يتابع الملك فيها، وضمن له جلّ وعلا أن يثبت ما يوحي إليه في قلبه، فقال تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}، يعني فإذا انتهينا من قراءته عليك فاتبع قرآنه فإنّك ستجده موجوداً في قلبك لم يفتك منه شيء كما قال له تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} لنفس المعنى الذي أرادته الآية السابقة. وقال له تعالى أيضاً: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}، فإنّ الحرف {لَا} في هذه الآية المباركة حرف نفي لا حرف نهي؛ لأنّ النسيان ظاهرة قهرية في الإنسان؛ فلا يصح النهي عنها؛ لأنه ليس في وسع الإنسان أن ينتهي عن النسيان، أو يبعده عن نفسه إلّا بعصمة من الله جلّ وعلا.

وقال بعض المفسرين: إنّ قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍَ} لا يعني الدفعة الواحدة ولا التدريج المتتابع، وإنّما يعنّي الابتداء، فمعناهما: أنّا ابتدأنا إنزاله عليك في ليلة القدر المباركة. وعلى هذا المعنى تكون ليلة القدر هي ليلة المبعث الشريف، وأن ليلة السابع والعشرين من شهر رجب المبارك هي ليلة الإسراء والمعراج فقط. ويحتمل أن تكون ليلة سبع وعشرين من رجب هي ليلة ابتداء سماعه| للصوت من السماء بدون أن يرى الملك، كما هو مروي في بعض السير أنه| مرت عليه فترة يسمع فيها الصوت ولا يرى الشخص، وذلك من باب إعداده لتلقي الوحي. وقد أخبر زوجته خديجة بذلك، وأخبرت هي ابن عمّها ورقة بن نوفل ــ الذي کان عالماً متنسکاً، يعبد الرحمن، ويعيب عبادة الأوثان ــ بذلك، فقال: إنّ ابن عمك رجل صادق، وأظنّ أنه سيأتيه الناموس الأكبر. وأنشد في ذلك:

فإن يك حقاً يا خديجةُ فاعلمي

 ***

حديثك إيانا فأحمدُ مرسلُ

فلما كانت ليلة القدر المباركة نزل عليه الوحي بصورة علنية. وعلى قول أن ليلة القدر هي ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان المبارك، فبين الليلتين ست وخمسون ليلة. وعلى قول أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين، فبين الليلتين شهران كاملان.

وعلى أي حال فإنّ ليلة سبع وعشرين من شهر رجب المبارك لها علاقة بالمبعث الشريف حتى ولو لم تكن إلّا ليلة ابتداء سماع الصوت من السماء. ثم إنها ليلة الإسراء والمعراج التي نال الرسول| فيها شرفاً عظيماً. قال الشيخ البوصيري المتوفى بتاريخ 840 هـ

سريت من حرم ليلاً إلى حرمِ

***

كما سرى البدر في داجٍ من الظلمِ

وقدمتك جميع الأنبياء بها

***

والرسل تقديمَ مخدومٍ على خدمِ

وقال ربُّك سَلهم هل جعلت لهم

 ***

من يعبدون سوى الرحمن ذي النعمِ

وبتَّ ترقى إلى أن نِلتَ منزلة

 ***

عن قاب قوسين لم تدرك ولم ترمِ

خفضتَ كلَّ مقامٍ بالإضافة إذ

 ***

نوديت بالرفع مثل المفرد العلمِ

وإذا كانت هذه الليلة هي ليلة ابتداء مبعث الرسول| وليلة إسرائه ومعراجه، فهي من أفضل ليالي زيارته|. وقد زار فيها الحسين جده، وشكا له فيها ما حَلّ به من بني أمية.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top