سورة القدر/ ليلة القدر؛ الفرق بين الملك والروح

سورة القدر/ ليلة القدر؛ الفرق بين الملك والروح

قال تعالی:

بسم الله الرحمن الرحيم

(تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).

قال صاحب التفسير الأمثل: (تَنَزَّلُ) فعل مضارع يدل علی الاستمرار، وأصله (تتنزل)؛ ممّا يدل علی أنّ ليلة القدر لم تکن خاصة بزمن النّبي(ص)، بل هي تتکرّر في کل عام، فکلما جاء شهر رمضان المبارک جاءت معه ليلة القدر. وإذا اختلفت رؤية الهلال باختلاف الآفاق فلکل أفق ليلته.

وبما أنّ الليل ظل نصف الکرة الأرضية، ويدور ذلک الظل دورة کاملة حول جميع الکرة في کل (24) ساعة، فلابدّ أن تکون ليلة القدر وکل ليلة دورة کاملة (24) ساعة لليلة کاملة من أول الکرة الأرضية إلی آخرها، وهکذا النهار.

و(الْمَلائِكَةُ) نوع من خلق الله، ولا سبيل إلی معرفة حقيقتهم بالحس والتجربة، ولا بالعقل والمقاييس، ولا بأي شيء إلّا بطريق الوحي من الله جلّ وعلا علی لسان أنبيائه ورسله. فمن يؤمن بالوحي يلزمه حتماً أن يؤمن بالملائکة؛ لأنّ الوحي أخبر عنهم بوضوح، ومن ينکر الوحي فلا يجوز الحديث معه عن الملائکة بحال. وقد وصفهم الإمام علي(ع) في خطبة له عنهم فقال(ع) عنهم: (إنّهم أعلم خلق الله به، وأخوفهم منه، وأقربهم إليه، وأعملهم بطاعته، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان). وقد ذکر القرآن الکريم أنّهم قد يتمثلون بما شاء الله لهم في الصور والأشکال، فأخبر عن جبرئيل أنّه تمثّل لمريم(ع) (بَشَرًا سَوِيًّا)، وأنّ جماعة منهم أضافهم إبراهيم(ع) وجاءهم بعجل حنيذ؛ لأنّهم على صورة البشر، ثمّ إنّهم جاؤوا إلى لوط(ع) فضاق بهم ذرعاً. وأنّ ألوفاً منهم جاؤوا يوم بدر إلى رسول الله(ص) على خيول بلق، عليهم عمائم بيض، وبأيديهم السيوف. وأن جبرئيل(ع) کان يأتيه على صورة دحية الکلبي.

(وَالرُّوحُ) قيل: إنّه جبرئيل؛ بدليل قوله تعالی: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ). وبدليل قوله تعالی عن مريم(ع): (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا).  والروايات والتفاسير والسير تقول: إنّ الذي تمثّل لها هو جبرئيل(ع)؛ إذن فهو الروح.

وقيل: إنّ الروح: الرحمة التي تتنزل بها الملائکة ليلة القدر علی من يستحقها من المؤمنين والمؤمنات. ويساعد علی هذا المعنی قوله تعالی: (يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِه). وحينئذٍ يکون معنی الآية: تنزل الملائکة بالرحمة فيها بأمر ربّهم علی من يشاء من عباده

وقيل: إن الروح مخلوق عظيم يفوق الملائکة. وقد روي عن الإمام الصادق(ع) أنّه سئل عن الروح: هل هو جبرئيل(ع)؟ فقال(ع): (جبرئيل من الملائکة، والروح أعظم من الملائکة، أليس الله تعالی يقول: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ)؟).

ويساعد علی هذا المعنی قوله تعالی: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا)، وقوله تعالی: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).

وقوله تعالی: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)، أي بأمر ربهم الذي لا يتنزلون إلّا بأمره. قال تعالی حکاية عنهم إنّهم يقولون: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top