سورة القدر / الوحي وأقسامه

سورة القدر / الوحي وأقسامه

قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.

الضمير الموجود في كلمة {أَنْزَلْنَاهُ} يعود على القرآن الكريم الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}؛ لأنّه حتى ولو لم يكن للقرآن ذكر مسبقٌ في الآية الكريمة إلّا إنّ عود الضمير عليه؛ لأنّه مفهوم لدى الجميع.

الوحي على ثلاثة أنواع، كما تقول الآية الشريفة: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}، ومعنى ذلك أنّ الوحي على ثلاثة أنواع:

الأول: {إِلَّا وَحْيًا} وهو الإلقاء في القلب، ومنه قول الرسول|: «إنّ روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها؛ فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإنّ ما عند الله لا يطلب إلّا بطاعة الله».

ومن هذا النوع رؤيا الأنبياء، ومنها رؤيا إبراهيم الخليل في ذبح ولده إسماعيل: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}، ورؤيا يوسف: {يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، ومنها رؤيا نبينا محمد| التي قال الله جلّ وعلا عنها: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}، ورؤياه التي قال الله جلّ وعلا عنها: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}.

وقد روي في کثير من کتب المسلمين أنّ سبب نزول هذه الآية الکريمة أن رسول الله| رأى في منامه بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، يردّون الناس عن الدين القهقرى … إلخ.

الثاني: أنه جلّ وعلا يُسمع النبي الكلام بواسطة الشجرة أو بواسطة الجبل أو بواسطة موجات الأثير، كما حصل ذلك لموسى بن عمران. وهذا هو المقصود بقوله أو غير ذلك من الأشياء تعالى: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}.

الثالث: أنه جلّ وعلا يوجِد الكلام في نفس الملك ثمّ يرسله إلى النبي فيبلغه إياه. وهذا هو المقصود بقوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}.

وإنما قالوا: إنه جلّ وعلا يوجد الكلام في نفس الملك؛ لأنّه جلّ وعلا لا تجري عليه التغيّرات، فلا يتكلم بعد سكوت أو يسكت بعد كلام، فهو جلّ وعلا يغير الحول والأحوال ولا يتغير له حال. وعلى هذا فکل آية تنسب الکلام أو القول إلى الله، فهي من المتشابه الذي يجب تأويله إلى ما يناسب مقامه، ويليق بذاته جلّ وعلا، ومنها قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وإذا كان الوحي يحصل بأحد هذه الأنواع الثلاثة، فبأي نوع منها حصل الوحي لنبينا محمد|؟

الجواب: أنّه| حصل له الوحي بجميع هذه الأنواع الثلاثة، أي بصورة الإلقاء في القلب، وبصورة الرؤيا في المنام كما تقدم، وبخطاب جبرئيل، وبالتكليم من وراء حجاب كما حصل ذلك له في ليلة المعراج، قال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}.

ومن الطريف أنّ بعض اليهود سأل النبي| عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي، فلما أخبره أنه جبرئيل قال: إنّه عدونا؛ لأنه ينزل بالشدة، والحرب والقتال، والخسف، والمسخ، وغير ذلك. ولو كان الذي ينزل عليك بالوحي ميكائيل لآمنّا بك واتبعناك؛ لأنه ينزل باليسر والرخاء. ولو سمع هذا القول من اليهود من لا يعرفهم لظنّ أنهم يحبون اليسر والرخاء والسلام لأنفسهم ولعامة الناس، وأن قلوبهم تفيض بالشفقة والرحمة على جميع المخلوقين، وأنهم يكرهون الشدة والعنف حتى على الحيوانات والحشرات، ولكن من عرفهم يعلم أنّ قولهم هذا كذب محض: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}.

وقد أنزل الله جلّ وعلا على نبيه| في ذلك {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}. وهذه الآية الكريمة تشتمل على الحجة على اليهود من ثلاثة طرق:

الأول: أنّ جبرئيل ما جاء من تلقاء نفسه، وإنّما جاء بأمر ربه جلّ وعلا، والرسول لا يؤاخذ.

الثاني: أنّ الشيء الذي جاء به مصدق لما في الكتب السابقة التي عندهم من التوراة والإنجيل والزبور وغيرها، فعليهم أن يستقبلوه بالقبول لا بالرد.

الثالث: أنّه هدىً وبشرى للمؤمنين، فلا يليق بهم ولا بغيرهم أن يعادوا من جاء بشيء مثل هذا؛ لأنه لا يستحق العداء. نعم إنّهم يعلمون كل ذلك، ويعلمون أنهم لا حجة لهم فيما يقولون ولا فيما يفعلون، ولكنهم أرادوا أن يكونوا هكذا في كل زمان وفي كل مكان، ومع كل أحد: {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}.

وأعجب من قول اليهود قول بعض المسلمين ــ سامحهم الله ــ : إن الشيعة تشارك اليهود في عقيدة العداوة لجبرئيل، ويقولون فيه أعظم من قول اليهود؛ لأنهم يقولون عنه: أنه خائن للأمانة؛ لأن الله جلّ وعلا أرسله إلى علي، فخان الأمانة، وذهب بما أرسل به إلى محمد|. وبالغ بعضهم حتى قال عن الشيعة: إنّهم لشدة عداوتهم لجبرئيل يضربون بأيديهم على أرجلهم ثلاث مرات عندما ينتهون من أي صلاة من صلواتهم، ويقولون: خان الأمين، خان الأمين، خان الأمين.

وتسأل الشيعةُ قائلي هذا القول فتقول لهم: من أي مصدر من مصادر الشيعة أخذتم هذا القول؟ وفي أي كتاب من كتبهم وجدتموه؟ لأنه إنما تؤخذ عقائد أهل الأديان والملل وأهل المذاهب والنحل من كتبهم لا من کتب غيرهم، ويحتج عليهم بقولهم لا بقول غيرهم.

ثمّ هل إن الله جلّ وعلا عندما أرسل جبرئيل برسالته هل کان يعلم أنه سيخون الأمانة، ويمضي بالرسالة إلى محمد| بدلاً من علي، أم إنه جلّ وعلا لا يعلم؟ فإن قلتم: إنّه كان يعلم ذلك، فلماذا أرسله وهو يعلم أنه يخون أمانته؟ وإن قلتم: إنّه لا يعلم، فقد نسبتم إلى الله الجهل، والله بكل شيء عليم. وقد جاء في دعاء الصباح قوله: «وعلم بما کان قبل أن يکون».

ثمّ إنّ جبرئيل لما خان الأمانة وذهب بالرسالة إلى غير صاحبها فلابدّ أن الله بعد ذلك علم بفعله، فلماذا أقرّ جبرئيل على الخيانة وترك الرسالة عند محمد|؟

فالشيعة تقول: اللهمّ خذ بحقنا، وانتقم من ظالمنا، فإنّا نعتقد أن جبرئيل أمين الله على وحيه، وسفيره إلى أنبيائه، وأنه كما قال عنه ربه جلّ وعلا: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} وقد انتهى نزوله بالرسالات والنبوات بموت رسول الله|. وقد روي أنه لما مات رسول الله| صعد إلى السماء وهو يقول: «هذا آخر هبوطي إلى الأرض، فالآن أصعد إلى ربي ولا أهبط إلى الأرض أبداً». يعني فلا أهبط إلى الأرض برسالة أو نبوة، وأما إلى غير ذلك فقد قالوا: إنه لا مانع من نزوله، وقد نعى علياً أمير المؤمنين ليلة ضرب في محرابه، وخاطب الحسين بالخروج من حرم ربه ليلة الثامن من ذي الحجة؛ لئلا تُستحل بقتله حرمة البيت الحرام.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top