لقمان مع ابنه

لقمان مع ابنه

قد عرفت مما تقدم تحت عنوان (الزوجات والأولاد) أن لقمان قد ولد له الكثير من الأولاد، فلم يسمح الزمان لذلك الصالح بأفلاذ كبده بل نصب لهم شرك المنية حتى أتى على آخرهم، فما بكى على أحد مات منهم لعلمه بعدم الفائدة وتيقنه بالثواب عند الصبر الجميل ووخومة الجزع الذي لا يورث إلا الكآبة والحزن الطويل، اللهم إلا بكاء رقة فغير محظور، فقد بكى رسول الله 2 على ولده إبراهيم لما مات وهو ابن ثلاث سنين، وقال: mتدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا على إبراهيم لمحزونونn، ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة.

بلى سمح الزمان لذلك العبد الصالح بولد سماه (باثار)، فكان القرين له أينما حل ورحل، وكان عينه ويده، حيث حل من قلبه محلاً لا مزيد عليه، إذ كان بقية من قدَّم من أطفال وشبان، فما ظنك بمن أخلاه الزمان من عقبه وكلفه بتقديمهم وإهدائهم إلى الصخور والجنادل ويسمح له بعد حين بولد، فما يكون ذلك الولد؟ ذاك قطعة الكبد، ذاك رأس المال، وذاك الحياة الخالدة، ذاك العين الباصرة، ذاك الروح من الجسد.

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

وقال آخر:

من سره أن يرى الكبدا

تمشي على الأرض فليرى الولدا

أجل عقد لقمان آماله الكبيرة على ذلك الولد، وحسب أن يكون له ذخراً وخلفاً من بعده، حيث كان من المعلوم عنده أن المرء يموت إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وخلف من ولد صالح يدعو له. ولعله أنفع الثلاثة. فقد جاء في الأثر: إن عيسى بن مريم u مرَّ ذات يومٍ على قبر يُعذب صاحبه، فمر عليه بعد حين فرأى العذاب مرفوعاً عنه، فسأل ربه عن ذلك، فقال تعالى: نشأ له ولد فأصلح طريقاً وآوى يتيماً فبذلك رفع عنه العذاب.

لذا ترى العارفين بمثل هذه الحقائق يتضرعون مبتهلين إلى الخالق تعالى أن يرزقهم أمثال هذا الولد.

وقول لقمان لولده: mإنك تخلف في سلفك وتنفع من خلفكn؛ من أظهر الأدلة على ما يرومه العارفون.

وليس غريباً فإن كل والد يؤمل في ولده ذلك، فربما أصاب وربما  أخطأ، وجهات الخطأ كثيرة أهمها عدم قابلية الولد للتعليم وطرق الهداية والصلاح كالأراضي الغير القابلة للزرع.

وهداية الولد وصلاحه من جملة الأرزاق وفضل من الله يؤتيه من يشاء.

فاجتهد لقمان وجدّ لتعليم ذلك الولد القابل لكل خير والمستعد لأن يكون على أرقى درجة من الكمال، فتلقى من والده البار تلك الإرشادات الدينية والتعاليم الروحية، فكان بذلك مثلاً في الأولاد كما أن أباه مثلاً في الآباء.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top