فتح مكة

فتح مكة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.

لما صالح رسول الله‘ قريشاً عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله دخل فيه وبالعكس فدخلت خزاعة في عقد رسول الله‘ ودخلت بنو بكر في عقد قريش وكان بين القبيلتين شر قديم ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر وخزاعة مقاتلة ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً وكان ممن أعان بني بكر على خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل وسهل بن عمرو فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله‘ المدينة وكان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني القوم فقال:

لا هم إني ناشد محمداً

حلف أبينا وأبيه الأتلدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا

أن قريشاً أخلفوك الموعدا
وقاتلونا ركعاً وسجدا

 فقال رسول الله‘ حسبك يا عمرو، ثم قام ودخل دار ميمونة وقال اسكبي لي ماء فجعل يغتسل ويقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب وهم رهط عمرو بن سالم ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله‘ فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة وقد كان‘ قال للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد ويزيد في المدة وسيلقى بديل بن ورقاء فلقوا أبا سفيان  بعسفان قد بعثته قريش إلى النبي‘ ليشدد العقد فلما لقي أبو سفيان بديلاً قال من أين أقبلت يا بديل قال سرت في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي قال ما أتيت محمداً قال لا فلما ذهب بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته وأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً ثم خرج أبو سفيان حى قدم على رسول الله‘ فقال يا محمد احقن قومك واجر بين قريش وزدنا في المدة فقال‘ أغدرتم يا أبا سفيان قال لا قال فنحن على ما كنا عليه فخرج فلقي أبا بكر فقال أجر بين قريش ويحك واحد يجير على رسول الله ثم لقي عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك ثم خرج فدخل على أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال يا بنية أرغبة بهذا الفراش عني قالت نعم هذا فراش رسول الله‘ ما كنت لتجلس وأنت رجس مشرك ثم خرج فدخل على فاطمة وقال يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس فقالت جواري جوار رسول الله قال تأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس قالت والله ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس وما يخير على رسول الله أحد ثم قال لأمير المؤمنين× يا أبا الحسن إني أرى الأمور اشتدت علي فانصحني فقال× إنك شيخ قريش فقم على باب المسجد وأجر بين قريش ثم الحق بأرضك قال وترى ذلك مغنياً عني شيئاً قال لا والله ما أظن ذلك ولكن لا أجد لك غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد وقال يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش ثم ركب بعيره فانطلق فلما أن قدم على قريش قالوا ما ورائك فأخبرهم بالقصة فقالوا والله إن زاد علي بن أبي طالب أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت قال والله ما وجدت غير ذلك.

قال: فأمر رسول الله‘ بالجهاز إلى حرب مكة وأمر الناس بالتهيئة وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش فأتى رسول الله‘ الخبر من السماء فبعث علياً والزبير وأخذا الكتاب من المرأة كما تقدم.

واستخلف رسول الله‘ أبا رهم الغفاري وخرج عامداً إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من المسلمين ونحو من أربعمائة فارس ولم يتخلف عنه من المهاجرين ولا من الأنصار أحد وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبدالله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله‘ بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه فلم يأذن لهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي فهو الذي هتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بني له فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً فلم بلغ ذلك رسول الله رق لهما فدخلا عليه فأسلما فلما نزل رسول الله‘ مر الظهران وقد عمت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله خبر فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار وقد قال العباس ليلتئذ يا سوء صباح قريش والله لئن بغتها رسول الله في بلادها فدخلها عنوة إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر فخرج العباس على بغلة رسول الله‘ وقال اخرج إلى الأراك لعلي أرى حطاباً أو صاحب لبن أو داخلاً يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله فيأتونه فيستأمنونه قال العباس: فوالله إني لأطوف بالأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء وسمعت أبا سفيان يقول والله ما رأيت كالليلة قط نيراناً فقال بديل هذه نيران خزاعة فقال أبو سفيان خزاعة ألأم من ذلك قال فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة يعني أبا سفيان فقال أبو الفضل قلت نعم قال لبيك فداك أبي وأمي ما وراك فقلت هذا رسول الله‘ وراءك قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال بماذا تأمرني قال تركب عجز هذه البغلة فاستأمن لك رسول الله فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت أركض ببغلة رسول الله فكلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا هذا عم رسول الله على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال عمر يا أبا سفيان الحمدلله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد ثم اشتد نحو رسول الله‘ وركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة وسبقت عمر بما يسبق به الدابة البطشة الرجل البطيء فدخل عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني أضرب عنقه فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم أني جلست إلى رسول الله‘ وأخذت برأسه وقلت والله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت مهلاً يا عمر فوالله ما تصنع هذا بالرجل إلا أنه من بني عبد مناف ولو كان من عدي بن كعب ما قلت هذا فقال عمر مهلاً يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله‘ اذهب فقد أمناه حتى تغدو به علي في الغدات قال فلما أصبحنا غدوت به على رسول الله‘ فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال بأبي أنت  وأمي ما أوصلك وأكرمك وأرحمك وأحلمك والله ظننت أن لو كان معه إله لأغنى يوم بدر ويوم أحد فقال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله فقال بأبي أنت وأمي أما هذه فإن في النفس منها شيئاً قال العباس فقلت له ويحك أشهد بشهادة الحق قبل أن تضرب عنقك فتشهد فقال رسول الله‘ للعباس انصرف به يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله قال فحبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي ومر عليه القبائل قبيلة قبيلة وهو يقول من هؤلاء ومن هؤلاء وأقول أسلم وجهينة وفلان وفلان حتى مر رسول الله‘ في الكتيبة الخضراء من المهاجرين والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال من هؤلاء يا أبا الفضل قلت هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار فقال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً فقلت ويحك إنها النبوة فقال نعم إذا وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله وأسلما وبايعاه فلما بايعاه بعثهما إلى قريش بين يديه يدعوانهم إلى الإسلام وقال من دخل دار أبي سفيان وهي بأعلى مكة فهو آمن ومن دخل دار حكيم وهي بأسفل مكة فهو آمن ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن ولما خرج أبو سفيان وحكيم عامدين إلى مكة بعث في أثرهما الزبير بن العوام وأمره على خيل المهاجرين وأمره أن يغرز رايته بالحجون من أعلى مكة وقال له لا تبرح حتى آتيك ثم دخل رسول الله مكة و فضربت هناك خيمته وبعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمته وبعث خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سليم وأمره أن يدخل من أسفل مكة ويغرز رايته دون البيوت وأمرهم رسول الله جميعاً أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة نفر عبدالله بن سعد بن أبي سرح والحويرث بن نفيل وابن خطل ومقبس بن ضبابة وأمرهم بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله‘ وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فقتل علي× الحويرث بن نفيل وإحدى القينتين وأفلتت الأخرى وقتل مقبس بن ضبابة في السوق وأدرك ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عماراً فقبله.

قال وسعى أبو سفيان إلى رسول الله‘ وأخذ ركابه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله أما تسمع مسعداً ما يقول إنه يقول:

اليوم يوم الملحة

اليوم تسبي الحرمة

فقال رسول الله‘ أدركه فخذ الراية منه وكن أنت الذي يدخل بها وأدخلها أدخالاً رفيقاً فأخذها علي وأدخلها كما أمر‘ ولما دخل رسول الله مكة دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم وأتى رسول الله‘ ووقف قائماً على باب الكعبة فقال لا إله إلا الله وحده وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، إلا أن كل مال أو مأثرة ودم تدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما إلا أن مكة محرمة بتحريم الله تعالى ولم تحل لأحد كان قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار وهي محرمة إلى أن تقوم الساعة لا يختلى خلاها ولا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ثم إلا لبئس جيران النبي كنتم لقد كذبتم وطردتم وأخرجتم وآذيتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقتلونني فاذهبوا فأنتم الطلقاء فخرج القوم كأنما انشروا من القبور ودخلوا في الإسلام وكان الله تبارك وتعالى أمكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيأ فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء وجاء ابن الزبعري إلى رسول الله‘ فأسلم وقال:

يا رسول الله إن لساني
إذ أبارى الشيطان في سنن
آمن اللحم والعظام لربي

راتق ما فتقت إذا ناور
الغي ومن مال ميله مثبور
ثم نفسي الشهيد أنت النذير

ودخل النبي‘ مكة يوم دخل وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً فطهر البيت الحرام بإزالتها عنه فهي تتكسر كالقوارير وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top