ظهور حكمة لقمان

ظهور حكمة لقمان

قد عرفت آنفاً أن أول ما ظهر من حكمة لقمان ما كان منه مع مولاه حين دخل المخرج وكتب على بابه ذلك حرصاً عليه مخافة النسيان، وتلاها ما كان من حل القضايا العويصة وغيرها مما يدل على أنه وحيد تلك الأمة، مما أوجب له شهرة عامة، عرفه بها كل من كان له أدنى اتصال به حتى صار موضع العجب، وهل أن هذا الحكيم هو ذلك العبد الأسود المملوك لآل فلان والراعي لأغنامهم كما قيل:

إن رجلاً من عظماء بني إسرائيل جاء إليه، فقال له: يا لقمان ألم تكن عندنا بالأمس عبداً لفلان ترعى أغنامه.

قال: نعم.

فقال: فمن أين أوتيت هذه الحكمة؟

قال: «بقدر الله، وصدق الكلام، وترك ما لا يعني، وأداء الأمانة».

ومرَّ عليه رجل من عظماء الناس، والناس مجتمعون حوله يستمعون منه المواعظ والحكم، فقال له: ألست العبد الأسود الذي كنت راعياً بموضع كذا وكذا؟

قال: نعم أنا ذاك.

فقال له: فما بلغ بك ما أرى؟

قال:«صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعني».

وقال له بعضهم -ولعله حاسد يشبه الذباب يقع على أخس المواضع- ما أقبح وجهك؟

فقال للقائل: «يا هذا تعيب على النقش أو على فاعل النقش؟».

يشير إلى أن فاعل النقش هو الله سبحانه وتعالى العارف بمخلوقاته وما تقتضيه حكمته، فمن أزرى بمخلوق فكأنما أزرى بالخالق تبارك وتعالى، والناس مخابر ليست بمناظر -كما عرفت-، فما الذي ينكر من مخلوق أهَّله الله لأن يكون أهلاً للفيوضات الإلهية، وباهى به ملائكته، وأوحى بمواعظه على سائر أنبيائه وفي مقدمتهم سيد الكل محمد(ع)، وطلب من العالم الإنساني أن يأخذوا بها، فكان بمنزلة لا يدانيه فيها أحد، أليس في كل ذلك دلالة واضحة على أن الحرية والنسب والمال والجمال والملك والسلطان والزعامة ومعرفة فنون السياسة لا تجدي شيئاً، وأن لا شيء يقرِّب من الله تعالى إلا العمل الصالح، والجنة والنار دائرتان مدار الطاعة والمعصية لا الذوات والشخصيات، وجواب الإمام لأبي حمزة الثمالي بعد تصريح القرآن الشريف بذلك في عدة مواضع صريح في ذلك، حيث يقول: «خلق الله الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً».

وفي مترجمنا وسلمان الفارسي وبرخ المتقدم ذكره وأمثالهم من العبيد ممن رقوا بأعمالهم الأوج الأعلى ورافقوا الأنبياء في أعلى عليين، وأبي لهب عم النبي (ع) وابن نوح وجعفر الكذاب وأضرابهم ممن مأواهم جهنم وبئس المهاد آيات للسائلين وعبرة لأولي الأبصار.

قال الأمير أبو فراس الحمداني:

كانت مودة سلمان له رحماً

ولم يكن بين نوح وابنه رحم

وقال غيره:

لقد رفع الإسلام سلمان فارس

وقد وضع الشرك الشريف أبا لهب

والله تعالى فوق الجميع يقول:[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ].

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top