سورة العلق / 8

سورة العلق / 8

قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾

إنّ هذه الآية مع كونها تخبر عن الحقيقة التي لا مناص منها، وهي حقيقة الرجوع إلى الله جلّ وعلا، فإنّ فيها تهديداً لذلك الإنسان الذي يطغى بماله أو بعلمه على الآخرين وتذكيراً له بأنّه سيرجع إلى ربّه ويترك كل ما حوله وراء ظهره، فعليه أن يستعد للقاء ربّه الذي سيجازيه بما قدمت يداه. وقد قال تعالى في آخر آية نزلت من كتابه على ما يقوله بعض المفسرين: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾([1]).

وما ندري لماذا لا يهتم هذا الإنسان بلقاء ربه؟ لأنه لا يعلم بذلك أم أنه يعلم بذلك ولكنه لا يهمه ماذا يفعل به خالقه العظيم جلّ ربي وعلا:

فإن كان لا يدري فتلك مصيبة

 

 

وإن كان يدري فالمصيبة أعظم

 

وهل يستطيع عاقل أن لا يدري أنه راجع إلى ربّه الذي خلقه؟! وإن عدم الرجوع إلى الخالق جلّ وعلا يستلزم أحد الأمور الآتية:

إمّا أنه لا خالق له، وإمّا أن له خالقاً ولكنه لا يقدر على إعادته بعد تلاشيه، وإمّا أن له خالقاً وأنه قادر على إعادته، ولكنه لا يريد أن يعيده.

وكل هذه الدعاوی باطلة لأنها تتنافى مع العقل والشرع؛ لأنّه لو قال: إنه لا خالق لنا، فإنّ العقل لا يقبل ذلك؛ فإنّ لكل صنعة صانعاً والوجدان أصدق برهان. قال أمير المؤمنين×: «وهل يوجد بناء من غير بانٍ، أو جناية من غير جان فلابدّ أن يكون لنا خالق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾([2]).

وإن الآيات التي تنبه الإنسان على أنّ له خالقاً، قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾([3]).

وإن قال: إنّ لنا خالقاً خلقنا ولكنه لا يقدر على إعادتنا بعد الموت، فإنّ العقل لا يقبل ذلك أيضاً؛ لأن الإعادة أهون من البدء. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾([4]).

وإن قال: إنّه قادر على إعادتنا ولكنه لا يريد أن يفعل ذلك، فإنّ العقل لا يقبل ذلك أيضاً؛ لأنّه يكون بذلك عابثاً، وحاشاه! قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾([5]). إذاً فلابدّ لنا من الرجوع إلى الله جلّ وعلا.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top