سورة العلق / 7

سورة العلق / 7

ومن اللطيف ما روي أنّ الخليفة المستنصر العباسي خرج يوماً إلى زيارة قبر سلمان الفارسي المتوفی بالمدائن بتاريخ 25/2/35 هجرية ومعه عز الدين ابن الأقساسي نقيب الطالبيين فقال الخليفة في الطريق: إنّ من الأكاذيب ما يرويه غلاة الشيعة عن مجيء علي بن أبي طالب(ع) من المدينة إلى المدائن لمّا توفي سلمان الفارسي (رضي الله عنه) وتغسيله إيّاه ورجوعه في نفس ليلته إلى المدينة، فأجابة الأقساسي& بالبديهة قائلاً:

أنكرت ليلة إذ سار الوصي إلى

 

أرض المدائن لما أن لها طلبا

 

وغسّل الطهر سلماناً وعاد إلى

 

 

عراص يثرب والإصباح ما وجبا

 

وقلت ذلك من قول الغلاة فما

 

 

ذنب الغلاة إذا لم يوردوا كذبا

 

فآصف قبل ردّ الطرف من سبأ

 

 

بعرش بلقيس وافى يخرق الحجبا

 

فأنت في آصف لم تغل فيه بلى

 

 

في حيدرٍ أنا غالٍ إنّ ذا عجبا

 

إن كان أحمد خير المرسلين فذا

 

 

خير الوصيين أو كل الحديث هبا

 

فخضع الخليفة إلى قوله.

 

قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾

صدق الله العلي العظيم.

كلا: كلمة لها عدة معانٍ، منها: الردع والزجر كالتي في قوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ *كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾([1]). أي كلا فلا يطمع أحد منهم في ذلك إلّا بالعمل الصالح؛ لأنّه خلق ممّا خلق منه غيره، فلا فضل له علي غيره إلّا بالعمل الصالح، أمّا ما يراه لنفسه من أنّه أحق بالجنة من غيره بثروته أو بنسبه أو بشخصيته فلا ولا كرامة.

وتكون (كلا) للتحقيق والبيان كالتي في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾.

وقد رجّح بعض المفسرين أنّها في هذه الآية المباركة ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾  للتحقيق، فيكون معناها حقاً ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾، يعني يتجاوز الحدَّ في تعدياته وتحدياته للآخرين، فيكون بذلك طاغية أو طاغوتاً ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.

يعني أنّ الانسان ليطغى أن رأى نفسه أنّه قد استغنى من قبل نفسه لا من قبل ربّه، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، ولم يقل ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى إنِ اسْتَغْنَى﴾؛ لأنّ الإنسان الذي استغنى ولكنه يرى أنّ غناه من قبل ربّه جلّ وعلا لا يطغى، بل يقول كما قال سليمان بن داود×: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾([2]).

أمّا إذا رأى نفسه أنّه قد استغنى من قبل نفسه فإنّه حينئذٍ يطغى ويتعالى على الناس؛ لأنّه يرى بجهله وعدم تعقّله أنه قد استغنى بحنكته ومرونته وفهمه وقوته، لا بمدد من ربّه ولا بتوفيق من خالقه، وحينئذٍ يطغى على الناس، فيكون كما قال الشاعر:

لبس الخز جسمه فتباهى

 

 

وحوى المال كيسه فتمرد

 

يا أخي لا تمل بوجهك عنّي

 

 

ما أنا نجمة وما أنت فرقد

 

أنت مثلي من الثرى وإليه

 

 

فلماذا يا صاحبي التيه والصد

 

بل ويتعالى حتى على خالقه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾([3]). وحينئذٍ يقول كما قال قارون عند ما طلب منه موسی(ع) زكاة أمواله فرفض وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾([4]).

يعني أن ما حصلت عليه من المال فبموهبتي ومهارتي، وليس لله ولا لغيره في تحصيلي للمال يدٌ ولا مشيئة، ولذلك فلا حقَّ لأحدٍ فيه. فلما طغى على أمثاله ومنع الحقوق من أمواله كانت عاقبته أن خسف الله به وبأمواله الأرض.

وقد روي عن رسول الله أنه قال: «إنّ الدينار والدرهم أهلها من كان قبلكم، وإنّهما مهلكاكم». وفي قصة ثعلبة بن حاطب الأنصاري وأمثاله دليلٌ واضح على حصول ما قاله رسول الله في زمانه فضلاً عن زماننا اليوم، وقد خلّد لنا القرآن الكريم قصة ثعلبة، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾([5])؛ وذلك لأنّ ثعلبة هذا كان فقيراً وكان يطلب من رسوله الله أن يدعو الله له بالغنی ويقول له: إنّي أعاهد الله لأن رزقني مالاً لأعطين كلّ ذي حقٍّ حقه. فلما أكثر الطلب على رسول الله| سأل الله له ذلك، فكثّر ماله ونمت غنمه وإبله كما ينمو الدود حتى ضاقت عليه المدينة فتنحى عنها إلى أوديتها واشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة، وبعث له رسول الله رسله الذين يجبون له الزكاة فأبى وقال: ما هذه إلّا أخت الجزية، فقال رسول الله: «يا ويح ثعلبة»، وأنزل الله جلّ وعلا فيه ما تقدم من الآيات الكريمة.

قال صاحب التفسير الكاشف&: وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ لا يعني الغنى بالمال فقط، بل إنّه يطغى حتى إذا استغنى بالعلم في الصناعة والإختراع والمختبرات، فيظلم من هو دونه بقسوة وضراوة. قال: ويؤيد هذا التفسير الواقعُ الذي تعيش فيه الإنسانية اليوم؛ فإنّ الذين يملكون العلم بالصناعة الحربية وصار عندهم من أسلحة الدمار ما يستطيعون القضاء به على الكرة الأرضية بما فيها في بضع ساعات، حاولوا وما زالوا يحاولون أن يخضعوا العالم كله إلى سيطرتهم واستغلالهم. قال بعضهم:

زج في عالم الفضاء طيوراً

 

 

من حديد يديرها ببنانه

 

ما بناها إلّا لهدم المباني

 

 

إنّ كل الدمار في بنيانه

 

بل ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ حتى بالعلم الديني، وقد ورد في الحديث الشريف: «إنّ للعلم طغياناً كطغيان المال»، يعني أنّه يحمل صاحبه على الترخص فيما اشتبه عليه من العلم إلى ما لا يحل له ويترفع به على من دونه، ولا يعطي العلم حقه بالعمل به، بل ربّما جعله وسيلة إلى حصول على المال ورضا السلطان، كمن قال: خالف الحسين دين جدّه بجده فليقتل بسيف جده، أو فقتل بسيف جده. ويله أنسي قول رسول الله: «أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»؟!

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top