سورة العلق / 6

سورة العلق / 6

قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

ذكرت الآية السابقة على هذه الآية العلم بالقلم وهو العلم الكسبي الذي يتعلمه الناس بعضهم من البعض، وقد نسبه الله جلّ وعلا إلى نفسه نظراً إلى أنّ القدرة على التعلم ووجود الاستعداد الروحي والجسمي وإيجاد الوسائل والأسباب لتحصيله كلها منه جلّ وعلا، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾([1]).

أمّا هذه الآية فقد ذكرت العلم الذي يحصل بواسطة الوحي والإلهام من الله جلّ وعلا، فإلى ما يحصل بواسطة الوحي أشار قوله تعالى: ﴿كمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾([2]). يعني ويعلمكم ما لا سبيل لكم إلى العلم به إلّا من طريق الوحي كالعلوم الغيبية وبعض الأحكام الشرعية.

وأشار إلى الإلهام بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾([3]).

ومن هذه الآية نعرف أنّ الإلهام هو أن يلقي الله في نفس من يريد أن يلهمه علماً يعلمه أو عملاً يعمله أو يتركه بسببه.

وقد ورد في الدعاء: «اللهمّ إنّي اسألك رحمة من عندك تلهمني بها رشدي».

وقد سمّاه الله وحياً لأنّه أشبه شيء بدأ ونوع من أنواعه وقد تفضل به تعالى على كثير من مخلوقاته حتى من غير الإنسان، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.

وقد أجمع المفسرون على أنّ الوحي المذكور في هاتين الآيتين هو الإلهام. وقد أشارت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء÷ إلى وجود ظاهرة الإلهام بقولها في خطبتها المشهورة: «الحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم».

وقد كان الناس ولا يزالون تظهر لهم أشياء لا يستطيعون أن يعبرون عنها بشيء غير الإلهام، ومنها: ما نراه اليوم في الطفل المعجزة السيد محمد حسين الطباطبائي القمي المولود بتاريخ 1 / 8 / 1411 هجرية والموجود حالياً ببلدة قم المقدسة الذي مع كونه أعجمياً فقد حفظ القرآن ووعاه وخاطب الناس بآياته وهو ابن أربع سنين، وتفوق في علوم كثيرة وهو في صغر سنه، ولم يكن هو الأول وسوف لا يكون الأخير، بل كان له وسوف يكون له في دنيانا أمثال وأمثال.

وبذلك لا نستطيع أن ننكر أو نستنكر لو قيل لنا: إنّ الإلهام من الوسايل التي يعلم بها الإمام بعض علومه، لاسيما وقد روي عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «علمنا غابر ومزبور ونقر في الأسماع ووقر في القلوب، وإنّ عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة، وإنّ عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج إليه الناس». ولما سئل عن تفسير كلامه هذا قال: «أمّا الغابر فالعلم بما يكون، وأمّا المزبور فالعلم بما كان، وأمّا النقر في الأسماع فحديث الملائكة نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأمّا الوقر في القلوب فهو الإلهام، وأمّا الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله، وأمّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى، وأمّا مصحف فاطمة ففيه ما يكون من حوادث وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة، وأمّا الجامعة فهي كتاب طوله سبعون ذراعاً أملاه رسول الله من فلق: فيه، وكتبه علي(ع) بيده فيه جميع ما يحتاج الناس إليه حتى أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة.

وبهذه الآيات الخمس التي هي أول ما نزل من القرآن الكريم عُلم أنّ مصدر العلم هو الله جلّ وعلا، منه يستمد الإنسان كلّ ما علم وكلّ ما سيعلم وكلّ ما ينفتح عليه من أسرار نفسه ومن أسرار هذا الوجود، وعلم العاقل والجاهل والبعيد والقريب أنّه ما من دين حثّ على تحصيل العلم وتكريمه كدين الإسلام، وأنّ أعظم تكريم للعلم وأهله أن تكون الإشادة به هي الشيء الأول في القرآن، ومنذ اللحظة الأولى من زمن الرسالة المباركة فما أعظم العلم! وما أكرمه! أو ما أعظم بركته على الإنسان! قال بعض الشعراء:

هو العلم حتى حلق المرء في الفضا

 

 

وسابح حيتان البحار أمينا

 

وحتى وعن سمع المصيخ بروحه

 

 

خطابا بأمريكا فصيح مبينا

 

قال صاحب التفسير الكاشف& وأمّا قيد العلم باسم الله في هذه الآيات المباركة فهو إشارة إلى أنّ العلم بشتى أنواعه يجب أن يكون للخير لا للشر وللحياة والبناء لا للهدم والفناء وللعدل والمساواة لا للتّسلط والظلم وقتل الشعوب ونهب الثروات.

وقد أشار القرآن إلى جليل بركة العلم وعظيم عطائه في قصة سليمان بن داود(ع) عندما طلب عرش بلقيس، فقال×: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾([4]). فمدّ سليمان(ع) بصره ثمّ أعاده إلى نفسه وإذا بالعرش بين يديه، فقال(ع) كما قال الله جلّ وعلا عنه: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾([5]).

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top