سورة العلق / 12

سورة العلق / 12

قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

أي كلا لا تطع أبا جهل وأمثاله فيما يريدون من ترك الصلاة والسجود، واسجد واقترب بهما وبغيرهما من الطاعات إلى الله جلّ وعلا. قالوا: ويستفاد من هذه الآية الكريمة أنّ السجود وسيلة إلى الاقتراب من الله جلّ وعلا.

وفي الحديث: «أنّ أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان ساجداً له جلّ وعلا». قال بعض العرفانيين: وهذا المعنى ظاهر في السجود؛ لأنّ الساجد يتوارى عنه حال سجوده كل ما تراه العيون، فيكون بعيداً عن الدنيا وكل ما فيها، وبذلك البعد عن الدنيا وما فيها يكون قريباً من الله جلّ وعلا إن وافق سره علانيته، وفيه غاية التواضع لله والانخفاض لعلوه المعنوي، ولذلك أمرنا أن نقول فيه: سبحان ربي الأعلى وبحمده.

وعن الإمام علي(ع) أنه لما سئل عن معنى السجود أجاب: «بأنّ معنى وضع رأسك على الأرض كأنّك تقول: منها خلقتني، وبرفع رأسك من الأرض كأنّك تقول: ومنها أخرجتني، وبالسجدة الثانية كأنك تقول: وإليها تعيدني، وبرفع رأسك من السجدة الثانية كأنك تقول: ومنها تخرجني تارةً اُخری في السجدة الاُولی».

ومع كون السجود واجباً من واجبات الصلاة، بل وركناً من أركانها ولكنه لا يختص بها ولا مانع منه في غيرها.

وقد روي من الإمام الباقر(ع) أنّه قال عن أبيه علي بن الحسين(ع): «إنّ أبي ما ذكر نعمة لله عليه إلّا سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله عزّ وجل فيها سجود إلّا سجد، ولا دفع الله عنه سوءاً يخشاه أو كيد كائد إلّا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلّا سجد، ولا وفّق لإصلاح بين اثنين إلّا سجد وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسمي السجاد لذلك». ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾([1]).

وروي: أنّه جاء رجل إلى رسول الله| فقال: يا رسول الله علّمني عملاً إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس وطال عمري وصح بدني وكثر مالي وحشرني الله معك، فقال له: «هذه ست خصال تحتاج إلى ست خصال؛ فإذا أردت أن يحبك الله فخفه واتقه، وإذا أردت أن يحبك الناس فاقطع طمعك عمّا في أيديهم، وإذا أردت أن يطول عمرك فصل أرحامك، وإذا أردت أن يصحّ بدنك فأكثر من الصوم، وإذا أردت أن يكثر مالك فأكثر من الصدقة، وإذا أردت أن يحشرك الله معي فأكثر من السجود».

وقد روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: «ما من عمل أشد على إبليس من أن يرى ابن آدم ساجداً؛ لأنّه أمر بالسجود لآدم فعصى».

وقد أجمع المسلمون على أنّ السجود محرّم لغير الله، وما كان سجود الملائكة لآدم إلّا طاعة لله، وما كان سجود يعقوب وأولاده ليوسف إلّا شكراً لله على لقاء يوسف وسلامته وملكه.

وقد قال المفسرون: إنّ معنى قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ، أي واسجد لقراءة هذه السورة أو هذه الآية، واقترب بذلك السجود من الله جلّ وعلا، فالسجود هنا فرض، ولذلك عدت هذه السورة من العزائم. وقد روي عن عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «العزائم أربع وهي حم السجدة والم تنزيل والنجم إذا هوى واقرأ باسم ربك الذي خلق». وما عداها في جميع القرآن فهو مسنون وليس بمفروض.

قال فقهاء الإمامية ـ رحم الله الماضين منهم وأيد الباقين ـ : ووجوب السجود عند قراءة آية السجدة من هذه السور الأربع فوري، ولذلك منعوا من قراءة هذه السور في الصلاة المفروضة؛ لأنه إذا قرأها وجب عليه أن يسجد عند قراءة آية السجدة، فإن سجد أزاد في الصلاة ما ليس منها، فعليه الإعادة على الأحوط لزوماً إلّا إذا أتى بالسجود ساهياً فإنّه لا شيء عليه، وإنّ عصى ولم يأتِ بالسجود فله إتمام صلاته، ولا تجب عليه الإعادة وإن كان عاصياً. وهكذا الحكم إذا قرأها نسياناً، فإن لم يلتفت إلّا بعد أن تجاوز آية السجدة أتمّ صلاته ولا شيء عليه، وإن التفت قبل وصوله إلى آية السجدة ولم يعدل عنها إلى غيرها جرى عليه ما تقدم في القراءة العمدية. هذا في الفريضة؛ وأمّا في النافلة فإنه يجب عليه أن يسجد عند قراءة آية السجدة، ولا يجوز له أن يؤخرها إلى ما بعد الفراغ من الصلاة، ويعود إلى صلاته بعد السجدة فيتمها ولا شيء عليه.

ولو استمع إلى آية السجدة وهو في الصلاة المفروضة فالأحوط لزوماً أن يومي إلى السجدة وهو في الصلاة، ثمّ يأتي بها بعد الفراغ من الصلاة. وأمّا مَن سمعها بغير اختيار فلا شيء عليه.

ويستحب فيها الذكر الواجب في سجود الصلاة. ولا يشترط فيها الاستقبال ولا الطهارة، وليس فيها تكبيرة افتتاح ولا تشهد ولا تسليم. نعم يستحب التكبير للرفع منها. والحمد لله ربّ العالمين.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top