سورة العلق / 11

سورة العلق / 11

قوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾

يعني فليدع أهل ناديه الذين هم عشيرته وأهل مجلسه؛ لأنّ النادي هو المجلس، ولذا قال تعالى عن قوم لوط(ع): ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾([1]). يعني أنّهم كانوا يتلاوطون ويتضاحكون ويتمازحون بما لا يليق بكرامة الإنسان.

قال أهل اللغة: ومن النادي سمّيت دار الندوة، يعني دار الإجتماع والتشاور، وهي دارقصي بن كلاب الجد الثالث لرسول الله| وقد بناها لهذا الغرض فكانت أحد أعماله المبتكره ومفاخره المعتبرة، وموقع هذه الدار شمالي حجر إسماعيل× بينها وبينه ستة أذرع ونصف.

ومن مبتكرات قصي بن كلاب أنّه جمع قريشاً من الشعاب والأودية والجبال وأسكنهم حول البيت بأعلى مكة وأسفلها وظاهرها وباطنها، فقريش العالية وقريش السافلة وقريش الظواهر وقريش البواطن، فسمي من أجل ذلك مجمعاً. قال حذافة بن غانم في قصيدة يمدح بها عبد المطلب:

أبوكم قصـي كان يدعى مجمعا

 

 

به جمع الله القبائل من فهر

 

ومن مبتكراته أنّه سن الرفادة والسقاية، فقد قال لقريش: إنّكم جيران الله وأهل بيته وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق بالضيافة والكرامة فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج ففعلوا، وجمعوا له من أموالهم ما ينفقه في إطعام الحاج وسقايتهم.

ومن مبتكراته أنّه حفر من أجل السقاية بئراً أسماه العجول فكانت أول بئر حفرت بمكة، وكانوا قبل حفرها يجلبون الماء من خارج مكة؛ لأنّ بئر زمزم كانت قد مضت السنين على ردمها فلم يعرف لها رسم ولا أثر، وما زالت إلى أن حفرها عبد المطلب&.

وقد كانت حجابة البيت الحرام ـ أي خدمته وحمايته وحراسته ـ في يده من قبل هذه الأمور، فعظم شأنه وجلّ قدره في قومه وصار أمره كالدين المتبع. ولما مات عظم موته على قومه فدفنوه بالحجون.

قال ابن الأثير في كامله: وكانوا يزورون قبره ويعظمونه. وكان اسمه زيداً وإنّما سمّي قصياً؛ لأنّ أباه توفي وهو طفل صغير عند أمه فاطمة بنت سعد، فتزوجها بعده ربيعة بن حرام القضاعي، ونقلها معه إلى بلده في مشارف الشام فأخذته معها لصغره، فشبَّ هناك قاصياً عن مكة وأهلها فسمي قصياً، وكان ينتمي إلى زوج أمه ربيعه إلى أن كبر، وكان بينه وبين رجل من قضاعة مشادة فعيّره القضاعي بغربته، فجاء إلى أمه وسألها من ذلك؟ فقالت له: بلادك خير من بلادهم وقومك خير من قومهم وأنت أكرم أباً منهم، وأخبرته بأنّه ابن كلاب بن مرة وأنّ قومه بمكة المكرمة حيث البيت الحرام. فلمّا صار موسم الحج جاء مع حجاج قضاعة إلى مكة، فلما قدم علی قومه عرفوا له فضله وشرفه وأكرموه وقدموه، وكان أمر البيت الحرام يومئذٍ بيد جليل الخزاعي، فتزوج قصي ابنته، ولما لم يكن له ولد أوصى بأمر البيت إلى قصي، وقيل: أوصى به إلى أبي غبشان الخزاعي فاشتراه منه قصي بما يرضيه، فنازعته خزاعة وجرى بينهم القتل والقتال، ثمّ تداعوا إلى الصلح وحكموا في أمرهم رجلاً عريفاً يقال له: يعمر بن عوف، فحكم بأنّ قصياً أولی بولاية الحرم وأنه ليس لأحد على أحد تبعة في دم.

ولما تظلمت خزاعة من هذا الحكم قال بعض الشعراء:

أبو غبشان أظلم من قصـي

 

 

وأظلم من بني فهر خزاعه

 

فلا تلحوا قصياً في شراه

 

 

ولوموا شيخكم إذ كان باعه

 

فلما توفي صارت مكارمه لأولاده وجاء الاسلام والحجابة واللواء والندوة بيد طلحة بن شريد من أولاد ولده الأكبر عبدالدار، والسقاية والرفادة بيد العباس بن عبدالمطلب بن هاشم من أولاد ولده الثاني عبد مناف. وبعد أن فتح النبي| مكة اجتمع طلحة والعباس فأخذا يتفاخران بأمجادهما التي ورثاها، فمرّ بهما علي بن أبي طالب(ع) فقال: «بماذا تتفاخران؟»، فأخبراه أنّهما يتفاخران بوظائفهما، فقال(ع): «لقد أوتيت على صغر سني أكثر مما أوتيتما، فقد ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله». فقام العباس مغضباً يجر أذياله حتى دخل على النبي| فشكا عليه إليه، فقال النبي|: «ادعوا لي علياً»، فدعي له فقال له: «ما حملك على ما استقبلت به عمّك؟» فقال: «يا رسول الله إنّما صدمته بالحق»، فنزل جبرئيل بآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾([2]).

وهذه الآية الكريمة لا تنفي فضيلة تلك الأعمال، وإنّما تثبت أنّ الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله أفضل منهما.

﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾

الزبانية: هم الملائكة، واحدهم زبني مأخوذ من الزبن وهو الدفع؛ لأنّهم يدفعون أهل النار إليها، فهم الملائكة الغلاظ الشداد الموكلون بالنار الذين ذكرهم الله في الآية (6) من سورة التحريم، وهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾([3]).

وقد روى بعض المفسرين: أنّ سبب نزول هذه الآية الكريمة هو أنّ أبا جهل مرّ يوماً برسول الله وهو يصلي عند المقام، فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟! وتوعده، فأغلظ له رسول الله وانتهره، فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما والله إنّي لأكثر أهل هذا الوادي نادياً، فأنزل الله جلّ وعلا على نبيه الكريم: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.

وفي الحديث الشريف: «لو دعا ناديه (أي لو دعا أهل نادية وهم عشيرته وأعوانه الذين يحضرون ناديه) لأخذته الزبانية عياناً».

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top