خطبة الجمعة 9/6/1434هـ. – فقيدنا العلامة الفضلي

خطبة الجمعة 9/6/1434هـ. – فقيدنا العلامة الفضلي

أحمده على نعمه، خاضعا لجلال عزته، مستعصما به عن معصيته، وطامعا في عفوه ورحمته، ومقرا لعظيم قدرته، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خير بريته، وحبيبه وخليله وصفوته، وعلى آله الأطهار عترته وذريته الطيبين الطاهرين.

   العلم أشرف الفضائل، وأصل الحضارة، به سمت وتفوقت الأمم، وعلت الهمم، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وأنصار الدين ومصابيح الهدى، ومن أجل ذالك شاد الذكر الحكيم بهم، وبين مقامهم وفضلهم. قال تعالى: ‭{‬قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون‭}‬ الزمر:9. وقال تعالى: ‭{‬إنما يخشى الله من عباده العلماء‭}‬ فاطر:28. وقال تعالى: ‭{‬يرفع الله الذين آمنوا منكم واللذين أوتوا العلم درجات‭}‬المجادلة: 11.

   هذا وقد تظافرت الأحاديث الشريفة في بيان فضل العلم وأهله، قال أمير المؤمنين (ع): (ياكميل هلك خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة). وعن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): (من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة….) وقال إمامنا الباقر (ع): (عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد)

  مكانتهم في الآخرة

وتشير بعض الروايات إلى مكانتهم في الآخرة. فعن الصادق (ع): (إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد ووضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء).

   وقال (ع): (إذا كان يوم القيامة بعث الله عز وجل العالم والعابد، فإذا وقفا بين يدي الله عز وجل، قيل للعابد: انطلق إلى الجنة، وقيل للعالم: قف تشفع للناس بحسن تأديبك لهم).

   وعن أبي عبد الله (ع) قال رسول الله (ص): (يجيء الرجل يوم القيامة، وله من الحسنات كالسحاب الركام، أو كالجبال الرواسي، فيقول: أنى لي هذا ولم أعملها؟ فيقول: هذا عملك الذي علمته الناس، يعمل به بعدك).

هكذا تستهدي الأمة بهدي العلماء الأتقياء، وتنتفع بوصاياهم، وتستنير بتوجيهاتهم الهادفة، وتنتفع بآثارهم الخالدة، وكنوزهم العظيمة، ولاشك أن هذا من خير ما ينتفع به في الدنيا ولآخرة.

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم   على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرء ما كان يحسنه   والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حيا به أبدا   الناس موتى وأهل العلم أحياء

   حقوق العلماء

   إن لعلماء الدين الأتقياء حقوق علينا أن نؤديها ومنها:

   الحق الأول: توقيرهم وإجلالهم واحترامهم، وتبجيلهم وتوقيرهم، وذالك لجهادهم في نصرة الدين، وتواضعهم بين الناس وخدمتهم إياهم، وصبرهم على تحصيل العلم وتعليم الناس والقيام بواجباتهم الدينية. فعن موسى بن جعفر عن آبائه (ع) قال قال (ص): (النظر إلى وجه العالم حبا له عبادة). وعن أبي عبد الله (ع) قال قال رسول الله (ص): (أغد عالما أو متعلما، أو أحب العلماء، ولا تكن رابعا فتهلك ببغضهم).

    هشام بن الحكم

   دخل في منى هشام بن الحكم على الإمام الصادق (ع) وهو غلام أول ما اختط عارضاه، وفي مجلسه شيوخ الشيعة، فرفعه على جماعتهم، وليس فيهم إلا من هو أكبر سنا منه، فلما رأى أبو عبد الله (ع) أن ذالك الفعل كبر على أصحابه، قال: ( هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده).

   الحق الثاني: الاهتداء بهديهم، وشد إزرهم، والاستماع لإرشاداتهم البناءة، والرجوع لهم في الفتيا ومعرفة الأحكام، ليكون المؤمن على بصيرة من دينه، فقد جاء في حديث الرضا عن آبائه (ع) قال رسول الله (ص): (مجالسة العلماء عبادة) وعن الصادق عن أبيه عن آبائه (ع) قال رسول الله (ص): (مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة). وقال لقمان لابنه: يابني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله عز وجل يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء.

   الحق الثالث: إحياء تراثهم. وهذا المشروع يعتبر من أثمن المشاريع العلمية المفيدة، حيث أن المكتبات العامة والخاصة والمتخصصة، مليئة بالمخطوطات الثمينة التي عكف العلماء على تأليفها، وهي الآن تحتاج الغيارى على التراث العلمي لترى النور بعد السبات الطويل، ورغم كل المحاولات الجادة لإحياء التراث، إلا ان الكم الهائل من المخطوطات يحتاج إلى تظافر الجهود المخلصة والجادة لإحيائها.

   رحم الله فقيدنا الفضلي، فقد كان عالما ورعا ومخلصا، وعاملا مجاهدا فذا، شهدت له الساحة العلمية بفضيلته، والساحة الاجتماعية بتوجيهاته ومحاضراته ودماثة خلقه، وقد كان من أرباب القلم والعطاء والتواضع، وفقده خسارة كبيرة لا تعوض، خاصة في مجتمعنا، رحمه الله برحمته وأسكنه فسيح جنته وحشره الله مع الأبرار الطاهرين. والحمد لله رب العالمين.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top