خطبة الجمعة 12/10/1433 هـ – وعن جسده فيما أبلاه

خطبة الجمعة 12/10/1433 هـ – وعن جسده فيما أبلاه

  الحمد لله رب العالمين، خالق الخلائق أجمعين ديان يوم الدين، به نتوكل ونستعين، فهو خير ناصر ومعين، العافي عن المذ نبين، قابل توبة التائبين، وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين، وآله الطيبين الطاهرين.

  نواصل حديثنا حول روية الإمام الباقر (ع) عن جده رسول الله (ص) قال: ( لاتزول قدم عبد يوم القيامة بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا وولايتنا أهل البيت).

النقطة الثانية: تحدثت عن الجسد. (وعن جسده فيما أبلاه) الذي هو الشق الثاني من تركيبة الإنسان حيث يتركب من جسد وروح، وهذا الإنسان مسؤول عن جسده الذي خلقه الله في أحسن تقويم، يقول تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ويقول تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ، ويقول تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.

   ومن هنا لابد أن يسخر هذا الجسد إلى ما  يرضي الله تعالى. ومن ذلك نصرة الدين والجهاد في سبيل الله جل وعلا. فإن من سنن التاريخ، أن التضحية والصمود على الحق، يحقق الإنتصار. {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}.

   وقد ورد أن عبد الله بن جحش، المدفون جوار الحمزة رضي الله عنه، طلب من ربه بعد أن خرج إلى المعركة أن لا يرجع إلى أهله، وقال: اللهم إني أسألك إذا التقينا بهؤلاء القوم أن أقتل. وأن يبقروا بطني، وأن يجدعوا أنفي، حتى إذا سألتني فيما بقر بطنك وجدع أنفك؟ أقول: في سبيلك، فكان كذلك.

   ونحن إن لم نصل إلى هذه المرتبة، فعلينا أن نذيق الجسد بعض التعب في سبيل الله وطاعته، نسأل الله التوفيق لذالك.قال الشاعر:

وإذا حلت الهداية قلبا * نشطت للعبادة الأعضاء

   ذكر أن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، عاد فاطمة بنت الحسين (ع) فقالت له إن لنا عليكم حقا، وهوإنه إذا رأيتم أحدنا يتلف نفسه في العبادة، أن تذكروه الله في نفسه، وهذا أخي زين العابدين قد انخرم أنفه، ورمصت عيناه، وثفنت جبهته، وورمت قدماه، فمضي إليه وذكره الله في نفسه. فذهب إليه وقال له: إنك من قوم تستمطر بهم السماء، ويستدفع بهم البلاء، فما هذا العناء الذي تلحقه بنفسك؟ فقال له: (يا جابر والله لا أزال على سيرة أبي وجدي حتى ألحق بهما) وهكذا الأئمة في عبادتهم وتواصلهم مع الله سبحانه وتعالى.

   قال الأصمعي: بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة، إذ رأيت شابا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول:

يا من يجيب دعا المطر في الظلم * يا كاشف الكرب والبلوى مع السقم

قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا * وأنت يا حي يا قيوم لم تنم

أدعوك ربي حزينا هائما قلقا * فارحم بكائي بحق البيت والحرم

إن كان جودك لا يرجوه ذو سعة * فمن يجود على العاصين بالنعم

   ثم أنشأ يقول:

ألا أيها المقصود في كل حاجة * شكوت إليك الضر فارحم شكايتي

ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي * فهب لي ذنوبي كلها واقضي حاجتي

أتيت بأعمال قباح رديئة * فما في الورى عبد جنى كجنايتي

أتحرقني بالنار يا غاية المنى * فأين رجائي ثم أين مخافتي

 ثم سقط على الأرض مغشيا عليه، فدنوت منه فإذا هو زين العابدين بن الحسين بن علي (ع) فرفعت رأسه في حجري وبكيت، فقطرت دمعة من دموعي على خده، ففتح عينيه فقال: من هذا الذي يهجم علينا؟ قلت: عبدك الأصمعي سيدي، ما هذا البكاء والجزع؟ وأنت من آل بيت النبوة، ومعدن الرسالة؟ أليس الله تعالى يقول: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} الأحزاب:33. فقال: هيهات يا أصمعي، إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفا قرشيا، أليس الله تعالى يقول: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} المؤمنين: 101ـ103.

   وهكذا كان أصحابهم ومن حام حوله (ع)

   يقول عمار بن ياسر: لو أنني أعلم أن رضاك في أن أضع بطني على قائم سيفي حتى أخرجه من ظهري لفعلت.

   وبهذا نعلم أن ربح الإنسان ليس بهذا الجسد البالي، وإنما ربحه في استكمال الفضائل، وتحصيل المراتب العالية التي يتحقق بها رضى الله سبحانه وتعالى. قال الشاعر:

زيادة المرء في دنياه نقصان * وربحه غير محض الخير خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

من استعان بغير الله في طلب * فإن ناصره عجز وخذلان

وكما أن ممارسة الطقوس العبادية من خير ما يسخر له جسد الإنسان، فإن القيام بوظيفة العمل والكد على العيال وكسب القوت من خير الأعمال العبادية أيضا، التي يثاب عليا الإنسان ويأجر فقد ورد في الحديث: ( الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله).

   وقد ورد أن محمد بن المنكدر الذي يعتبر من الزهاد والعباد، رأى رجلا بدينا متكئا على غلامين في أيام الصيف الشديد، خارجا للعمل في مزرعته، فقال في نفسه لأعظن هذا الرجل الذي خرج من أجل الدنيا في مثل هذا الوقت.

   فلما دنى منه وإذا هو الإمام الباقر (ع) فسلم على الإمام وهو يتصبب عرقا، فقال له: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش، أفي ساعة كهذه وعلى حالة كهذه خرجت تطلب الدنيا؟ ماذا سيحدث لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟

   فاستند الإمام الباقر (ع) إلى جدار ثم قال: (والله لو جاءني الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة الله تعالى، أكف بها نفسي عنك وعن الناس، إنما أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله).

    فتنبه ابن المنكد إلى خطئه حيث كان يظن أنه على صواب فتوجه إلى الإمام وقال: يرحمك الله يا أبا جعفر أردت أن أعظك فوعظتني.

   أيها الأخوة إن خير عمل علينا أن نقوم به في الأيام المقبلة هو: حج بيت الله الحرام فعلى القادرين ألا يتكاسلوا عن أداء هذه الفريضة، فإنها خير عمل يقوم به المسلم.

   اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام، في عامنا هذا وفي كل عام، واغفر لنا تلك الذنوب العظام، برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top