خطبة الجمعة 11/11/1433هـ- حب آل البيت ومودتهم (5)

خطبة الجمعة 11/11/1433هـ- حب آل البيت ومودتهم (5)

الحمد لله رب العالمين، ديان يوم الدين، خالق الخلائق أجمعين، به نتوكل ونستعين، فهو خير ناصر ومعين، العافي عن المذنبين، قابل توبة التائبين، ونصلي ونسلم على سيد الخلق أجمعين، حبيب قلوب العالمين، نبينا محمد وآله الطاهرين.

يا آل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم الفخر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له

روى الإمام محمد الباقر (ع) عن جده رسول الله (ص) قال: (لا يزول قدم عبد يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، حتى يسأل عن أربع خصال، عن عمره في ما أفناه، وعن جسده في ما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفي ما أنفقه، وعن حبنا وولايتنا أهل البيت).

قال تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى}.

وقد سأل ابن عباس رضي الله عنهما رسول الله (ص) قال: يا رسول الله من قرابتك الذين نزلت فيهم الآية؟ قال: (علي وفاطمة والحسن والحسين). وعند نزول الآية المباركة لف رسول الله (ص) كساء على علي وفاطمة والحسن والحسين، وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا).

وقال (ص): (الزموا مودتنا فإنه من لقي الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا) وأخرج الطبراني في الأوسط قول الرسول (ص): (خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وعلي بن أبي طالب من شجرة واحدة، أنا أصلها، وفاطمة ابنتي غصنها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين فروعها، وشيعتنا أوراقها، من تعلق بغصن من أغصانها ساقه إلى الجنة، ومن تخلف عنها هوى إلى النار).

أحب النبي المصطفى وابن عمه  * عليا وسبطيه وفاطمة الزهراء

هم أهل بيت أذهب الرجس عنهم *  وإني أرى البغضاء في حقهم كفرا

عليهم سلام الله ما دام ذكرهم  *  لدى الملأ الأعلى وأكرم بهم ذكرا

وأخرج ابن حبان: أن رسول الله (ص) قال: (ما بال رجال يؤذونني في أهل بيتي؟ والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني، ولا يحبني حتى يحب ذريتي).

وعندما اشتدت قطيعة قريش لقرابة الرسول (ص) في بداية الرسالة، حيث كانوا يعبسون في وجوههم، ويقطعون الحديث عند رؤيتهم، غضب الرسول (ص) لذلك غضبا شديدا، وفي الأثر: (ما بال أقوام يتحدثون، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم، والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لقرابتهم مني).

وقد تسابق المحبون في إظهار الحب لآل البيت، قال محيي الدين بن عربي في مودتهم:

رأيت ولائي آل طاها فريضة * على رغم أن البعد يورثني القربا

فما طلب المبعوث أجرا على الهدى * بتبليغه إلا المودة في القربى

وقال في مكان آخر بلفظ محبتهم:

أرى حب آل البيت عندي فريضة  * على رغم أهل البعد يورثني القربى

فما اختار خير الخلق منا جزاءه * على هديه إلا المودة في القربى

أيها الأخوة، إننا عندما نسمع عن موقف الأوبامية الأممية حول الفيلم المسيء للرسول (ص) والذي يعبر عنه الرئيس الأمريكي بحرية التعبير، فلا شك أن هذا يثير السخرية والاستغراب، فلو كان الذي عرض يمس رئيس الدولة لما قبل ذلك، ولكن عندما يتعلق بنبي الإسلام فهذا يدخل تحت عنوان حرية التعبير، وهكذا كل من يعمل ضد الإسلام والمسلمين كسليمان رشدي وأمثاله، ممن يسيء للمقدسات، فإن هؤلاء لم يجرموا بحق نبي الإسلام، ولكن يشاء الله من خلال هذه الأعمال الجبانة أن يصل صوت الإسلام للعقلاء المنصفين الذين يستقبحون هذه المسخرة الشنيعة، تماما كما كان حرق القرآن أدى إلى التوجه إلى شراء نسخ القرآن الكريم، الذي دخل بيوتا من الصعب جدا أن نوصل إليهم القرآن ليطلعوا عليه ويدرسوا ويتمعنوا في آياته الكريمة.

إن كل هذا، وتفجير الأضرحة المقدسة، كتفجير مرقد الإمام الرضا، وهدم قبور البقيع، وتفجير سامراء، دفع الكثيرين للبحث والمطالعة مما أدى إلى الدخول في الإسلام، والتعرف على الرسول (ص) وأئمة أهل البيت (ع) بمعرفة واطلاع، فصار الأمر رب ضارة نافعة.

وبهذا نقول للرئيس الأمريكي أوباما: لن يضرنا موقفك المتوقع، فإن السوابق تدلل على هذا الموقف المشين، وهكذا كل مواقف أمريكا فإنها دائما مع الموقف الإسرائيلي، حتى في ارتكاب المجازر الوحشية بالفلسطينيين، بل داعمة لها بالفيتو الأمريكي وحامية لها من أي قرار أممي يمكن أن يدينها.

ونحن لا نستغرب كل هذا من الأمريكيين والصهاينة، ولكن استغرابنا الحقيقي هو من المسلمين الذين نصبوا العداوة لآل بيت محمد (ص) وهم يعلمون كم هذا مخالف لما جاء به القرآن الكريم في آية المودة وغيرها، وكم هذا يؤذي الرسول محمد (ص).

وفي الحديث الشريف: (لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار) وقد حذر علي (ع) معاوية بن أبي سفيان وقال له: (إياك وبغضنا فإن رسول الله (ص) قال: (لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد إلا أدخله الله النار)

وما أروع ما قال الفرزدق في مدح آل البيت في شخص زين العابدين (ع) مبينا فضلهم:

من معشر حبهم فرض وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم

 يستدفع السوء والبلوى بحبهم * ويستزاد به الإحسان والنعم

  مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم

     إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم *  ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

وفي الأثر: (أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند ما اطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه).

فيا رب زدني في يقيني بصيرة * وزد حبهم يا رب في حسناتي

   وقال الشاعر الملهم الشيخ علي عقل: في دفع ملامة الذين يلمونه في شدة تعلقه بآل البيت(ع)

  ومهما ألام على حبهم * فلست الفتى خائف الآئمه

فروحي على بابهم ترتمي *  ونفسي بأعتابهم خادمه

إذا مس نفسي فتور المعاصي * بذكرهم أصبحت هائمه

 فيا عاذلي ثم يا عاذري * سواء رضاك أو الآئمه

فقل ما تشاء وكن ما تشاء * فإني أحب بني فاطمه

لقد أصبح الإقرار بفضل أهل لبيت سمة واضحة من سمات المؤمنين، ونلاحظ ذلك بازدحام زحف الملايين عند قبورهم، للتعبير عن حبهم لعترة النبي (ص) وما واجب العرفان والوفاء إلا بإسناد الفضل لأهله، وهم من طهرهم الله تطهيرا، فهم نواب الرسول (ص) وأهل الحكمة والتقوى، وما حبهم إلا امتدادا لحب الرسول لهم والتأسي به واجب على المسلمين. وقد أشار المحب عن هذا بقوله:

إن النبي هو النور الذي كشفت * به عمايات باقينا وماضينا

ورهطه عصمة في ديننا ولهم * فضل علينا وحق واجب فينا

ولا نشك في وجوب محبتهم ومودتهم وإكرامهم وتوقيرهم، لأجل قرابتهم من رسول الله (ص) ولورود الفضائل والمناقب الكثيرة بهم، ولا شك أن في محبتهم البركة، وإطالة العمر، والفوز يوم القيامة، وبغضهم يورث الشقاء، ويسود الوجه يوم القيامة.

فيا من يواليهم ويحفظ ودهم * ويكرم مثواهم هنيئا لك البشرى

فلا بد يوم العرض تسمع قائلا * تفضل تفضل فادخل الجنة الخضرا

ويا من يعاديهم لفرط شقائه * تمهل قليلا أنت في سقر الحمرا

والحمد لله رب العالمين.

 

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top