حدث في مثل هذا اليوم (30 ذي الحجة)

حدث في مثل هذا اليوم (30 ذي الحجة)

وفي هذا اليوم ـ وهو سلخ ذي الحجة ـ من سنة 204 هجرية توفي بمدينة مرو النضر بن شميل المازني البصري التميمي، أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب، ورواية الحديث، وفقه اللغة. اتصل بالمأمون العباسي، فأكرمه وقربه، وولاه القضاء. له عدة مصنفات، منها كتاب (غريب الحديث)، ومنها كتاب (الصفات) في صفات الإنسان والبيوت والجبال والإبل والغنم والطير والكواكب والزروع وغير ذلك ـ وهو كتاب كبير ـ وكتاب (السلاح)، وغير ذلك من المصنفات النافعة. قالوا: وكان من أصدقاء الخليل بن أحمد الفراهيدي ـ المتوفى في[…] ـ ومن نوادره مع المأمون أن المأمون قال في مجلس سَمَره يوماً: حدثنا هشيم عن خالد عن الشعبي عن ابن عباس ـ رض ـ قال: قال رسول الله‘: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز» ـ فأورده بفتح السين في سَداد ـ فقال النضر: صدق يا أمير المؤمنين هشيم، فقد حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب× قال: «قال رسول الله‘: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سِداد من عوز» ـ وأورده بكسر السين في سِداد ـ وكان المأمون متكئاً، فاستوى جالساً وقال يا نضر، كيف قلت: سِداد؟ فقال النضر: لأن السَّداد ـ بفتح السين ـ هنا لحن. قال: أو تلحنني؟ فقال إنما لحن هشيم، فتبع أميرالمؤمنين لفظه. قال: فما الفرق بين سَداد وسِداد؟ فقال: السَّداد ـ بفتح السين ـ: القصد في الدين والسبيل، والسّداد ـ بكسر ها ـ: البلغة، فكلما سددت به شيئاً فهو سِداد. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، هذا العرجي الشاعر المشهور يقول:

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا *** ليوم كريهة وسِداد ثغرِ

فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له. وأمر له بخمسين ألف درهم. والعرجي نسبة إلى عرج ـ موضع بمكة ـ هو عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ـ رض ـ وقد توفي سنة 204 هجرية. رحمه الله برحمته.

***

في اليوم الثلاثين من شهر ذي الحجة طلب أولاد يعقوب أخاهم يوسف من أبيه×، فقالوا: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ([1]).

***

وفي هذا الشهر الشريف من سنة 6 من الهجرة كتب النبي‘ إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وبعث الكتب مع ستة من الصحابة، وهم: حاطب بن أبي بلتعة الى المقوقس بمصر، ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر بالروم، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى بفارس، وعمرو بن أمية الضميري إلى النجاشي بالحبشة، وشجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشام، وسليط بن عمرو العامري إلى هودة بن علي النخعي. ويتضمن كل كتاب من كتبه ما يلي:

«من محمد رسول الله‘ إلى … . سلام على من اتبع الهدى.

أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتِك الله أجرك مرتين، فإن توليت فان عليك إثم …» ـ يعني إثم قومك ـ:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ([2])

***

وفي هذا الشهر من سنة 32 هـ توفي أبوذر الغفاري بالربذة. وقد تقدم أنه بتاريخ 3/4/31 هـ. وكان من خيار أصحاب رسول الله‘، أسلم رابع أربعة أو خامس خمسة، وقد صحب النبي‘ بعد ما هاجر إلى المدينة إلى أن توفي رسول الله‘. ويروى أن النبي‘ قال فيه: «ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر». رحمه الله برحمته.

قالوا: وقد أخبره رسول الله‘ أنه يعيش وحده، ويموت وحده، ويسعد بمواراته قوم من أهل العراق، فكان الأمر كما قال رسول الله‘.

***

وفي هذا الشهر الشريف من سنة 44 ـ أو سنة 42، أو سنة 52 هـ ـ توفي أبو موسى الأشعري. وكان أحد الحكمين في دومة الجندل: هو وعمرو بن العاص، فاتفقا على أن يخلع كل منهما صاحبه، ويختار الناس لهم من أرادوا، ثم غدر به عمرو بن العاص، فخلع هو علياً×، وأثبت عمرو بن العاص معاوية. وبعدها هرب إلى مكة، وما زال بها إلى أن مات بالتاريخ المذكور. رحم الله المؤمنين برحمته.

***

وفي أواخر هذا الشهر من سنة 106 هـ، وقيل: من سنة 108 هـ توفي سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ـ رحمه الله ـ وكان أشبه أولاد أبيه به، وكان أبوه يحبه حباً شديداً، فإذا قيل له في ذلك أنشد:

يلومونني في سالم وألومهم *** وجلدة بين العين والأنف سالمُ

قال مالك: لم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والقصد والعيش منه.

وعن سفيان بن عينية قال: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فرأى فيها سالم بن عبد الله، فقال له: يا سالم، سلني حاجة .فقال له: إني لأستحي من الله جلّ وعلا أن أسأل غيره في بيته. فلما خرج سالم خرج هشام في أثره، وقال له: الآن قد خرجت، فسلني حاجة، فقال له سالم: أسألك حاجة من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا. فقال سالم: ما سألت من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها. رحمه الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

***

وفي هذا الشهر الشريف من سنة 148 هـ، وبعد شهرين من وفاة الإمام الصادق×، توفي زرارة بن أعين. وكان مريضاً عندما توفي الإمام الصادق×، ومات في مرضه ذلك. وقيل: إنه توفي سنة 150 هـ، وكان قارئاً، فقيهاً متكلماً، شاعراً أديباً، قال ابن أبي عمير: قلت لجميل بن دراج: ما أحسن محضرك، وأزين مجلسك! فقال: إي والله، ما كنا حول زرارة إلا بمنزلة الصبيان في الكتاب. حول العلم رحمه الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

***

وفيه من سنة 264 هـ توفي بالري أبوزرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي الذي يعد من كبار الحفّاظ، ومن سادات أهل التقوى. رحمه الله برحمته.

***

وفي شهر ذي الحجة الحرام من سنة 388 هجرية قتل صمصام الدولة البويهي، وعمره (35) سنة و7 أشهر، وإمارته بفارس (9) سنين و(8) أيام. رحمه الله برحمته.

***

وفي هذا اليوم من سنة 587 هجرية ـ وكان يوم جمعة ـ بعد صلاة الجمعة اُخرج يحيى بن حَبَش السهروردي الحكيم من الحبس ميتاً بحلب. وقد قيل عنه: إنه أوحد أهل زمانه في العلوم الحكمية، جامعاً للعلوم الفلسفية، بارعاً في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، فصيح العبارة. ولقب بالسهروردي؛ لأنه ولد في قرية سهرورد ـ من قرى زنجان ـ ونشأ بمراغة، وسافر إلى حلب. وتنسب إليه اشعار منها ما قاله في النفس على مثال أبيات ابن سينا العينية، ومنها ما قاله في تعلّق النفس بالمحبوب جل وعلا، ومنها:

ابداً تحن إليكم الأرواحُ *** ووصالكم ريحانها والراحُ
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم *** وإلى لذيد لقائكم ترتاحُ
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها *** لما دروا أن السماح رباحُ
لا يطربون لذكر غير حبيبهم *** أبداً فكل زمانهم أفراحُ
حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم *** فتهتكوا لما رأوه وصاحوا
أفناهُمُ عنهم وقد كشفت لهم *** حجب البقا فتلاشت الأرواحُ
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
*** إن التشبه بالكرام فلاحُ

وقد اختلف الناس فيه كاختلافهم في أمثاله ـ الحلاَّج وغيره ـ فمنهم من نسبه إلى الزندقة والإلحاد، ومنهم من يعتقد فيه الخير والصلاح. وله عدة مؤلفات منها (التلويحات)، و(هياكل النور)، و(المناجاة)، و(مقامات الصوفية ومعاني مصطلحاتهم)، و(التنقيحات)، و(حكمة الإشراق)، و(المعارج)، و(اللمحات)،  وغير ذلك.

وقد رموه بالزندقة، فسجنه وخنقه في السجن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي أعطاه أبوه مملكة حلب سنة 582 هـ، فتولاها إلى أن مات سنة 613. وقد أخرجت جنازة السهروردي من السجن بالتاريخ المذكور ـ 30/12/587 هجرية ـ وعمره (38) سنة فقط. رحمه الله برحمته.

***

وفي هذا اليوم ـ 30/12 ـ من سنة 1231 هجرية توفي السيد النجيب، السيد مهدي ابن السيد دلدار علي ابن السيد محمد معين الدين النصير آبادي النقوي الكهنوي عن ثلاث وعشرين سنة؛ فقد كان مولده سنة 1208 هجرية. قرأ عند أبيه العلوم العقلية والنقلية، وله حواشٍ وتحقيق مسائل متفرقة تشهد بعلو كعبه. ولما توفي اغتم والده، وشقت عليه وفاته، فصنف كتاب (مسكن القلوب عند فقد المحبوب). رحم الله الجميع برحمته، وأسكنهم فسيح جنته.

***

وفي هذا الشهر الشريف من سنة 1356 هجرية فتحت بأم الحمام القطيف حسينية الشيخ منصور المرهون ـ المتوفى بتاريخ 30/6/1362 هجريةـ.

وقد أرخها ـ رحمه الله ـ ببيتين كتبا على بابها عندما بنيت لأول مرة، فقال&:

ادخلوها بسلام آمنينْ *** حامدين الله رب العالمينْ
شهر حج عام خمسين وست *** بعد ألف وثلاث من مئينْ

وأرخها بالحروف الأبجدية على حساب الجملّ، فقال ـ رحمه الله ـ:

الحمد لله له الـمنّ على راسي *** إذ جاد لي أرخ (بما أغنى عن الناسِ)

وقد أرختها بعد ذلك بنحو من خمسين عاماً، فقلت:

لمن حُسينيةٌ أُمُّ الحمام بها *** تزهو كأن رباها منبعُ النورِ
هذا السؤال أتى من بعد ما بنيت
*** فقال تاريخها (للشيخ منصورِ)

رب اغفرلي ولوالدي، وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، وصل وسلم على محمد وآله الأطياب.

***

وفي هذا اليوم ـ 30/12 ـ من سنة 1359 هجرية توفي بالقارة ـ من مدن الأحساء ـ العلّامة الشيخ سلمان بن عبد المحسن آل علي الأحسائي. وكان مولده ببلد وفاته القارة ـ من مدن الأحساء الشهيرة ـ وينتهي نسبه إلى الفضل بن ربيعة جد قبيلة الفضول المعروفة الذين منهم حجة الإسلام الشيخ الميرزا محسن الفضلي ـ المتوفى بتاريخ 13/11/1409 هـ ـ ونجله العلّامة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ـ متع الله المؤمنين ببقائه ـ وقد أرخ وفاة المترجم نجله الفاضل الخطيب الشيخ عبد الحميد العلي فقال:

قُوّض العلم وغابْ *** وتوارى في الترابْ
وغدت تبكي عليه *** أسفاً أم الكتابْ
وجماهير اليتامى *** والأيامى في الحجابْ
أصبحت تنعى فأرخْ
*** (نعيهم سلمان غابْ)

                                 1359

رحمه الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

***

وفيه من سنة 1364 هجرية ـ الموافق 5/12/1945 م ـ انطلقت خمس طائرات حربية من نوع افنجر من قاعدة فورلودردال بفلوريدا في تدريبات روتينية، ولكنها لم تعد أبداً، فبعد أن انطلقت بساعة ونصف تلقّت القيادة رسالة لاسلكية مفادها أن الطيارين قد تاهوا، وأنهم الآن لا يرون الأرض؛ إذ إنهم دخلوا بدائرة مثلث برمودا، وهي أقطاع واسع من الأطلسي يضمّ خليج المكسيك، ومنطقة جزر الهند الغربية، والآزور.

***

وفيه من سنة 1399 هجرية قام أكثر من خمسمئة مسلح بمهاجمة المسجد الحرام في مكة المكرمة، وبقوا متحصنين فيه لأكثر من اُسبوعين، حتى أخرجتهم السلطات السعودية بقوة السلاح، وقامت بمحاكمتهم، وتم إعدام زعمائهم بقطع رؤوسهم بتاريخ 24/1/1400 هجرية، وذهبوا إلى النار وبئس القرار. وسيأتي الكلام عليهم في التاريخ المذكور إن شاء الله.

***

وفي ليلة هذا اليوم ـ وكانت ليلة جمعة 30/12 ـ من سنة 1427 هجرية توفي بمنامة البحرين الخطيب الكبير، والشاعر الشهير، صاحب الفضيلة العلمية، ومؤلف الكتب النافعة السنية، سماحة السيد محمد صالح ابن السيد عدنان الموسوي ـ المتوفى بتاريخ 21/6/1347 هجرية ـ وإذا كان مولد المترجم بتاريخ سنة 1338 هجرية فقد قارب التسعين. وقد أوجد فقده فراغاً ملموساً في الخطابة المنبرية الخليجية. تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

___________________

([1]) يوسف: 11 ـ 14.

([2]) آل عمران: 64.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top