بـيـــــته

بـيـــــته

البيت هو المسكن والمأوى والمحل الذي يأوي إليه المخلوق مطلقاً، فيلقى فيه كل حشمة ويستريح من كل قيد، ولا بد منه لكل إنسان على حسب حاله واقتداره ورغبته وزهده، وفي الغالب أن طول الأعمار يوجب تعمير الديار ولو بالتدريج شيئاً فشيئاً. فتـراها غاصة بالأثاث والمتاع، ولها دوي بأصوات العبيد والخدم والغلمان؛ يطوفون على الآمرين والآمرات من سكانها المالكين.

بيد أن التاريخ يحدثنا عمن عاش ألف سنة على أقل الروايات أن بيته كوخ من قصب يعرف في زماننا اليوم بـ(صريفة)، ذاك هو لقمان الحكيم الذي أنهى ذلك العمر الطويل في ذلك البيت الضئيل، واكتفى من الزوجات بامرأة من أكفائه تحصيناً لفرجه، وحفظاً لدينه، وولد له أولاد فسكن هو وولده وزوجته في ذلك البيت المسور بالقصب والمسقف بالسعف أو الليف أو الخوص، واكتفى عن الخدم والعبيد بيديه، وعن الفرش الحريرية والمتكآت الديباجية بما يقي بدنه عن الأرض من حصر خوص النخل وبواري القصب.

هذا بيت من عاش ألف سنة، وهذه أثاثه، أضف إلى ذلك ما كان عليه من الضيق، حتى قيل له كيف تسكن في هذا البيت المكان الضيق؟ فقال:«وهذا كثير في حق من يموت».

كلمة بعيدة المدى، غزيرة المعنى، لا يعرف حقيقتها إلا الأوحدي من الأبدال أمثال ذاته القدسية. فما أشد حسرة من لم تسعه مئات القصور الشاهقة حتى وقع من أجل طلب الزيادة في الحرام، ولم يكتفِ بأزواجه الحسان حتى تعدى إلى الزنا سراً وإعلاناً، ولم تكفه خدمه وعبيده حتى تسرب إلى جبر الأنام.

كذلك أحوال الإنسان لا تدخل تحت ضابط، كما قال تعالى:[وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا]، وعليه جاء: «ما اختلف نوع من الحيوان كاختلاف نوع الإنسان»، وعند الله تجتمع الخصوم فيجري القصاص في محكمة العدل بقضاء من[لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا]، فليتق امرؤ على نفسه وليأخذ حذره.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top