بدر الكبرى

بدر الكبرى

﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ…﴾الآيات.

قال أصحاب السير: أقبل أبو سفيان بعير قريش من الشام وفيها أموالهم وهي اللطيمة وفيها أربعون راكباً من قريش فندب النبي(ص)أصحابه للخروج إليها ليأخذوها وقال: لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم ولم يظنوا أن رسول الله(ص) يلقى كيداً ولا حرباً فخرجوا لا يريدون إلا ابا سفيان والركب لا يرونها إلا غنيمة فلما سمع أبو سفيان بمسير النبي(ص) استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم ويخبرهم أن محمداً قد تعرض لعيرهم في أصحابه فخرج ضمضم سريعاً إلى مكة وكانت عاتكة بنت عبد المطلب رأت فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال أن رجلاً أقبل على بعير له ينادي يا آل غالب اغدوا إلى مصارعكم ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجراً فدهدهه من الجبل فما ترك داراً من دور قريش إلا أصابته منه فلذة فانتبهت فزعة من ذلك وأخبرت العباس بذلك فأخبر العباس عتبة بن ربيعة فقال عتبة هذه مصيبة تحدث في قريش وفشت الرؤيا فيهم وبلغ ذلك أبا جهل فقال هذه نبية ثانية في بني عبدالمطلب واللات والعزى لننظرن ثلاثة أيام فإن كانت ما رأت حقاً وإلا لنكتبن كتاباً بيننا أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالاً ونساء من بني هاشم فلما كان اليوم الثالث أتاهم ضمضم يناديهم يا آل غالب يا آل غالب اللطيمة اللطيمة العير العير أدركوا وما أراكم تدركون أن محمداً والصباة من اهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فتهيأوا للخروج وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرج مالاً لتجهيز الجيش وقالوا من لم يخرج نهدم داره وخرج معهم العباس بن عبدالمطلب ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب وعقيل ابن أبي طالب وأخرجوا معهم القيان يضربون الدفوف وخرج رسول الله(ص) في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً فلما كان بقرب بدر أخذ عيناً للقوم فأخبره بهم ونزل جبرئيل على رسول الله(ص) فأخبره بنفير المشركين من مكة فاستشار اصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبو بكر فقال يا رسول الله إنها قريش وخيلائها ما آمنت منذ كفرت ولا ذلت منذ عزت ولم تخرج على هيئة الحرب فقال له النبي(ص) اجلس فقام عمر بن الخطاب فقال مثل ذلك فقال له النبي(ص) اجلس فجلس فقام المقداد فقال يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها وقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضناه معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكنا امض لأمر ربك فإنا معك مقاتلون فجزاه رسول الله خيراً على قوله ذاك ثم قال أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار لأن أكثر الناس منهم ولأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا إنا برآء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا ثم أنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع أبنائنا ونسائنا فان يتخوف أن يكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا  على من دهمه بالمدينة من عدو وأن ليس عليهم أن ينصروه خارج المدينة فقام سعد بن معاذ وقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا فقال نعم فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق من عندالله تعالى فمرنا بما شئت وخذ من اموالنا ما شئت والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك ولعل الله عزوجل أن يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله ففرح بذلك رسول الله وقال سيروا على بركة الله فإن الله عزوجل قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله وعده والله لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وفلان وفلان وأمر رسول الله(ص) بالرحيل وخرج إلى بدر وأقبلت قريش وبعثت عبيدها ليستقوا من الماء فأخذهم أصحاب رسول الله(ص) وقالوا لهم من أنتم؟ قالوا نحن عبيد قريش قالوا فأين العير؟ قالوا لا علم لنا بالعير فأقبلوا يضربونهم وكان رسول الله يصلي فلما انفتل من صلاته قال إن صدقوكم فاضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم فأتوه بهم فقال لهم من أنتم قالوا يا محمد نحن عبيد قريش قال كم القوم قالوا لا علم لنا بعددهم قال كم ينحرون في كل يوم من جزور قالوا: تسعة إلى عشرة فقال(ص) القوم تسعمائة إلى ألف رجل وأمر بهم فحسبوا فبلغ ذلك قريشاً ففزعوا وندموا على مسيرهم ولقي عتبة بن ربيعة ابا البختري بن هشام فقال أما ترى هذا البغي والله ما أبصر موضع قدمي خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغياً وعدواناً والله ما أفلح قوم بغوا قط ولو رددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهبت ولم نسر هذا المسير فقال له أبو البختري: أنت سيد من سادات قريش فسر في الناس وتحمل العير التي أصابها محمد وأصحابه بنحلة ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك فقال له عليّ ذلك وما على أحد منا خلاف إلا ابن الحنظلية يعني أبا جهل فصر إليه وأعلمه أي حملت العير ودم ابن الحضرمي وهو حليفي وعلي عقله قال: فقصدت خبائه وأبلغته ذلك فقال: إن عتبة يتعصب لمحمد فإنه من بني عبد مناف وابنه معه يريدان يخذل بين الناس لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم يثرب أو نأخذهم أسارى وندخلهم مكة وتتسامع العرب بذلك وكان أبو حذيفة بن عتبة مع رسول الله(ص)وكان أبو سفيان لما جاز بالعير بعث إلى قريش قد نجى الله عيركم فارجعوا ودعوا محمداً والعرب وادفعوه بالراح ما اندفع وإن لم ترجعوا فردوا القيان فلحقهم الرسول في الجحفة فأراد عتبة أن يرجع فأبى أبو جهل وبنو مخزوم وردوا القيام من الجحفة قال وفزع أصحاب رسول الله لما بلغهم كثرة قريش واستغاثوا وتضرعوا إلى الله سبحانه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top