الحقـــــوق

الحقـــــوق

بمناسبة ذكر الوالد مع ولده في العنوان السابق يسرني أن أقدم للقراء الكرام جملة الحقوق اللازمة لكل من الوالدين على ولدهما وحقوقه عليهما نظراً لمزيد الفائدة.

أما حقوق الوالدين فقد نبه القرآن المجيد على كثير منها بأبلغ ما يتصور، فقال تعالى: ]وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا =     وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا[.

فأوجب وألزم الولد بهذه الحقوق لوالديه في قبال ما عانياه من أجله مذكراً له جهات الاستحقاق في قوله تعالى: ]وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا[.

وأوعد البار بوالديه التجاوز عن سيئاته والجنة في قوله: ]وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ[.

وتوعد من قال لوالديه (أفٍ) فضلاً عن غيرها بالنار والخسران في قوله تعالى: ]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ[.

إلى غير ذلك من الآيات المغنية عن تجسيم كل كاتب أو تصوير كل حاذق.

وأوضحت السنة الغراء تلك الحقوق بما يلي:

أن تحسن صبحتهما، ولا تكلفهما أن يسألاك شيئاً مما يحتاجان إليه وإن كانا غنيين.

ولا تقل لهما أُفٍّ إن أضجراك، ولا تنهرهما إن ضرباك.

وأن تقول لهما قولاً كريماً بأن تستغفر لهما وتسترضيهما.

وأن تخفض لهما جناح الذل من الرحمة بأن لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا رحمة ورقة.

وأن لا ترفع صوتك فوق صوتيهما، ولا يدك فوق يديهما، ولا تتقدمهما.

ولا تسميهما باسمهما.

ولا تجلس قبلهما.

ولا تحوّل وجهك عنهما.

ولا تضيق عليهما فيما وسع الله عليك من المأكول والملبوس.

وأن تعظمهما بحق يلزمك ما رأيتهما.

وأن تحملهما عند الكبر إلى قضاء الحاجة، وتضع اللقمة في فيهما عند العجز.

وتقضي دينهما عند الموت، وتستغفر لهما، وتصلي وتصوم وتحج وتزكي عنهما تأسياً بالأئمة الطاهرين E، فقد كان زين العابدين u أبر الناس بوالديه ولا يأكل مع أمه، فقيل له في ذلك، فقال: mأخشى أن أمد يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون قد عققتهاn.

ويستحب الزيادة في بر الأم على الأب، حتى قيل: إن للأم ثلثي البر وللأب الثلث الآخر. وقد أمر النبي 2 ببر الأم ثلاث مرات ثم أمر في الرابع ببر الأب.

وسئل 2 أي الوالدين أعظم حقاً؟ فقال 2: mالتي حملته بين الجنبين، وأرضعته الثديين، وأحضنته الفخذين، وفدته بالوالدينn.

وقيل له 2: ما حق الوالد؟ فقال: mأن تعطيه ما عاشn.

فقيل له: وما حق الوالدة؟ فقال: mهيهات هيهات لو أن عدد رمل عالج وقطر المطر أيام الدنيا ما عدل ذلك يوم حملته في بطنهاn.

وقال له 2 رجل: إن والدتي قد بلغها الكبر، وهي عندي الآن أحملها على ظهري وأطعمها من كسبي وأميط عنها الأذى بيدي وأصرف مع ذلك عنها وجهي استحياءً لها منها وإعظاماً، فهل كافأتها؟

قال 2: mلا، لأن بطنها كان لك وعاء، وثديها كان لك سقاء، وقدمها لك حذاء، ويدها لك وقاء، وكانت تصنع لك ذلك وهي تتمنى حياتك وأنت تصنع هذا بها وتتمنى موتهاn.

ويحرم عقوق الوالدين شرعاً وعرفاً وعقلاً. وإن العاق لوالديه لا يشم ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد مسيرة خمسمائة عام، وعاقبته النار، كما أن عاقبة البار بوالديه الجنة.

مضافاً إلى ذلك إن البر بالوالدين يزيد في الرزق، وينسئ في الأجل، بل ربما كان ذلك البر دافعاً لأكبر بلية، ومنجياً من أعظم ورطة، ومخلِّصاً من هلكة، كما حدث به ثالث الثلاثة الذين انطبق عليهم باب الكهف فكان أن يكون قبرهم لولا أنهم تذاكروا الحسنات، فذكر كل منهم حسنة عملها في عمره كان لها أثرها في الإفراج عنهم حتى حدث ثالثهم ببره بوالديه ففرج الله عنهم فخرجوا سالمين.

وورد الأمر ببر الخالة لمن لم يكن له أم، والمراد بها أخت الأم لا زوجة الأب كما اصطلح عليه كثير من الناس.

أما حقوق الولد على والديه فيستوفيها كملاً لا يبخس منها شيئاً، وهما في غنى عن الوعد والوعيد والحث والتحريض على القيام بحقوق ولدهما، حيث إنهما بجلبتهما وطبيعتهما مدفوعان إلى ذلك لأنه منهما وليسا منه، كما قيل:

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

والأولاد كما قال بعض العارفين لما سئل عنهم: أولادنا أكبادنا، وثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظلِّيلة، وبهم نصول عند كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودهم، ويحبوك دهرهم، ولا تكن عليهم ثقيلاً فيتمنوا وفاتك، ويكرهوا قربك، ويملوا حياتك، فكنت في ذلك قد أعنتهم على عقوقك، وارتكبت وإياهم محرماً.

فمن حقوق الولد:

تسميته باسم حسن، وخير الأسماء ما عبد لله تعالى كعبدالله وعبداللطيف وعبدالرزاق وعبدالرحيم وغير ذلك، وبعده أسماء النبي
والأئمة E.

وتأديبه بالآداب الكاملة، ووضعه في موضع حسن في نومه ويقظته والوفاء بما وعده لأنه يرى أنه يرزقه.

وتعليمه الطهارة ومعالم الدين والقرآن الكريم، وكذلك تعليمه السباحة والكتابة إذا كان ذكراً، والغزل وسورة النور إذا كان أنثى.

ومن حقوقه؛ استفراه أمه، أي إكرامها وعدم الإساءة إليها الموجبة لحزنه.

ومنها؛ تخفيف الصلاة إذا صرخ ولم يكن من يسكنه.

ومنها؛ تزويجه حال بلوغه.

وورد عن النبي 2 أنه قال: mرحم الله امرءاً أعان ولده على بره: بأن يتجاوز عن معسوره، ويقبل ميسوره، ولا يرهقه، ولا يخرق به، ولا يسيئه، ولا يقطب في وجهه، فليس بينه وبين أن يدخل في حد من حدود الكفر إلا أن يدخل في عقوقه أو قطيعة الرحمn.

وروي عن الصادق u أنه قال: mأمهل صبيك يلعب حتى يأتي له ست سنين، ثم ضمه إليك سبع سنين فأدبه بأدبك، فإن قبل وصلح وأفلح وإلا فخلِّ عنه فإنه لا خير فيهn.

وعنه u أنه قال: mالغلام يلعب سبع سنين، ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنينn.

وعن أمير المؤمنين u: mيحسن إلى الصبي سبع سنين، ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله ثلاثة وعشرين سنة، وعقله في خمسة وثلاثين، وما عدى ذلك بالتجاربn.

وعن النبي 2: mالولد سيد سبع سنين، فإن رضيت أخلاقه في إحدى وعشرين سنة وإلا فاضرب على جنبه فقد أعذرت إلى الله تعالىn.

فهذا هو القدر اللازم لحقوق الوالدين على ولدهما وحقوقه عليهما، فلا يفوتك القيام بذلك لوالديك وولدك، فإنما تقضى هذه الحياة الدنيا والعاقبة لمن اتقى.

ومن وصية رسول الله ا2 لعلي u مما يشتمل على كثير من المصالح العامة قوله: mيا علي، سر سنتين برَّ والديك، سر سنة صل رحمك، سر ميلاً عُد مريضاً، سر ميلين شيع جنازة، سر ثلاثة أميال أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخاً في الله، سر خمسة أميال أجب الملهوف، سر ستة أميال انصر المظلوم، وعليك بالاستغفارn.

وعن علي u قال: قال 2: mللمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقاً، لا براءة له منها إلا بالأداء أو العفو: يغفر زلته، ويرحم عبرته، ويستـر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويعود مرضته، ويشهد منيته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حامته، ويشفع مسألته، ويقبل شفاعته، ولا يخيب مقصده، ويشمت عطسته، وينشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويزيد إنعامه، ويصدق أقسامه، وينصره ظالماً أو مظلوماً -أما نصره ظالماً فيرده عن ظلمه، وأما نصره مظلوماً فيعينه على أخذ حقه-، ويواليه ولا يعاديه ويسلمه، ولا يخذله، ويحب له الخير ما يحب لنفسه ويكره له من الشر ما يكره لنفسهn.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top