أهل الكهف

أهل الكهف

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.

وكانوا ستة نفر من أمثل أهل زمانهم عقلاً وعلماً وأدباً ومعرفة وبيتاً وكانوا جميعهم وزراء لملكهم المدعى للربوبية المعروف بـ«دقيوس» وإنهم يجتمعون في كل يوم عند واحد منهم وأسماؤهم تمليخا مكلمينا منشلينا مرنوس ديرنوس سادريوس، فاجتمعوا ذات يوم عند تمليخا فقال لهم: يا أخوتاه قد وقع في قلبي شيء منعني من الطعام والشراب والمنام فقالوا وما ذاك؟ فقال أطلت فكري في السماء فقلت من رفع سقفها محفوظة بلا عمد تحتها ولا علاقة فوقها ومن أجرى فيها شمساً وقمراً آتيان مبصرتان ومن زينها بالنجوم ثم أطلت الفكر في الأرض فقلت من سطحها على صميم الماء الزخار ومن حبسها بالجبال أن تميد وأطلت فكري في نفسي من أخرجني من بطن أمي ومن غذاني ومن رباني، إن لها صانعاً ومدبراً غير دقيوس الملك وما هو إلا ملك الملوك وجبار السماوات والأرض فقالوا جميعاً ونحن نرى ذلك فما ترى؟ فقال اعتزلوا دقيوس وقومه ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ فاتفقوا على ذلك وقام تمليخا وأخذ شيئاً من الدراهم في كمه وركب وأصحابه خيولهم وخرجوا من المدينة فلما ساروا ثلاثة أميال قال لهم تمليخا يا إخوتاه قد جاءت مسكنة الآخرة وذهب ملك الدنيا انزلوا عن خيولكم وامشوا على أرجلكم لعل الله أن يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً فنزلوا عن خيولهم ومشوا على أرجلهم ما شاء الله فاستقبلهم راع فقالوا: أيها الراعي هل من شربة من ماء أو لبن؟ فقال الراعي عندي ما تحبون ولكن أرى وجوهكم وجوه الملوك وما أظنكم إلا هراباً من دقيوس الملك! قالوا: يا هذا لا يحل لنا الكذب أفينجينا منك الصدق؟ قال نعم، فأخبروه بقصتهم فانكب على أرجلهم يقبلها ويقول يا قوم لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم ولكن أمهلوني حتى أرد الأغنام على أربابها وألحق بكم فتوقفوا له فرد الأغنام وأقبل يسعى يتبعه الكلب واسمه (قطمير) فخافوا الفضيحة بنباحه فطردوه بالحجارة فأنطقه الله تعالى وقال ذروني حتى أحرسكم من عدوكم فلم يزل الراعي يسير بهم حتى علا بهم جبلاً فانحط بهم على كهف يقال له (الوصيد) فإذا بفناء الكهف عيون وأشجار مثمرة فأكلوا من الثمر وشربوا من الماء وجنهم الليل فآووا إلى الكهف فأوحى الله تعالى إلى ملك الموت بقبض أرواحهم ووكل الله بكل رجل ملكين يقلبانه من ذات اليمين إلى ذات الشمال وأوحى الله تعالى إلى خزان الشمس فكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال فلما رجع دقيوس من عيد له سأل عنهم فأخبر أنهم خرجوا هراباً فركب في طلبهم ثمانين ألف فلم يزل يقفوا أثرهم حتى علا الجبل فانحط على كهفهم فلما نظر إليهم فإذا هم نيام فقالوا لو أردت أن أعاقبهم بشيء لما عاقبتهم بأكثر مما عاقبوا به أنفسهم ولكن ءأتوني بالبنائين فسد باب الكهف باكلس والحجارة وقال لأصحابه قولوا لهم يقولوا لإلههم الذي في السماء لينجينهم وأن يخرجهم من هذا الموضع فمكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما أراد الله أن يحييهم أمر إسرافيل أن ينفخ فيهم الروح فنفخ فقاموا من رقدتهم فلما أن بزغت الشمس قال بعضهم قد غفلنا في هذه الليلة عن عبادة إله السماء فقاموا فإذا العين قد غارت وإذا الأشجار قد يبست فقال بعضهم إن أمرنا لعجيب مثل تلك العين الغزيرة قد غارت والأشجار قد يبست في ليلة واحدة ومسهم الجوع فقالوا ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ قال تمليخا لا يذهب في حوائجكم غيري فخرج متوجهاً نحو المدينة فرأى موضعاً لا يعرفها وطريقاً ينكرها حتى أتى باب المدينة وإذا علم أخضر مكتوب عليه (لا إله إلا الله عيسى رسول الله) فجعل ينظر إلى العلم ويمسح بعينه ويقول أراني نائماً ثم دخل إلى السوق فأتى رجلاً خبازاً فقال أيها الخباز ما اسم مدينتكم هذه قال أفسوس قال وما اسم ملككم قال عبد الرحمن فقال ادفع لي بهذا الورق طعاماً فتناوله منه وجعل يتعجب من ثقل الدراهم ومن كبرها فقال يا هذا أنت أصبت كنزاً فقال تمليخا ما هذا إلا ثمن تمر بعتها من ثلاث وخرجت من هذه المدينة وتركت الناس يعبدون دقيوس الملك، فقال له الخباز هلم معي فجاء به آخذاً بيده حتى أدخله على الملك فقال ما شأن هذا الفتى؟ فقال له هذا رجل أصاب كنزاً فقال الملك: يا فتى لا تخف فإن نبينا عيسى أمرنا أن لا نأخذ من الكنز إلا خمسها فأعط خمسها وامض سالماً فقال تمليخا انظر أيها الملك في أمري ما أصبت كنزاً أنا رجل من أهل هذه المدينة فقال الملك أنت من أهلها؟ قال نعم قال فهل تعرف بها أحداً؟ قال نعم قال ما اسمك قال اسمي تمليخا قال وما هذه الأسماء أسماء أهل زماننا هل لك في هذه المدينة دار قال نعم اركب أيها الملك معي فركب والناس معه فأتى بهم أرفع دار في المدينة فقال هذه الدار لي فقرع الباب فخرج إليه شيخ وقد وقع حاجباه على عينيه من الكبر فقال ما شأنكم فقال الملك أتانا هذا الغلام بالعجائب يزعم أن هذه الدار داره فقال له الشيخ من أنت قال تمليخا بن قسطيكين فانكب الشيخ على قدميه يقبلهما ويقول جدي ورب الكعبة والتفت إلى الملك وقال أيها الملك هذا تمليخا وخمسة معه هم الستة الذين هربوا من دقيوس الملك فنزل الملك عن فرسه وحمله على عاتقه وجعل الناس يقبلون يديه ورجليه فقال الملك يا تمليخا وما فعل أصحابك فأخبر أنهم في الكهف وكان يومئذ بالمدينة ملك مسلم وملك يهودي فركبوا في أصحابهم فلما صاروا قريباً من الكهف قال لهم تمليخا: إني أخاف أن يسمع أصحابي صوت حوافر الخيول فيظنون أن دقيوس الملك قد جاء في طلبهم ولكن أمهلوني حتى أتقدم فأخبرهم فوقف الناس وأقبل تمليخا حتى دخل الكهف فلما نظروا إليه اعتنقوه وقالوا الحمد لله الذي نجانا من دقيوس قال تمليخا دعوني عنكم وعن دقيوسكم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال تمليخا «بل لبثتم ثلاثمائة وتسع سنين» وقد مات دقيوس وقرن بعد قرن وبعث الله نبياً يقال له المسيح عيسى بن مريم ورفعه الله إليه وقد أقبل إلينا الملك والناس معه قالوا يا تمليخا أتريد أن تجعلنا فتنة للعالمين قال تمليخا فما تريدون قالوا ادع الله جل ذكره وندعوا معك حتى يقبض أرواحنا فرفعوا أيديهم فأمر الله تعالى بقبض أرواحهم وطمس الله باب الكهف على الناس فأقبل الملكان يطوفان على باب الكهف سبعة أيام فلم يهتدوا له، وقيل دخلوا عليهم كهفهم واطلعوا عليهم وجعلوا يسألونهم وأنهم في ذلك معهم إذ سقطوا ميتين فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث والثواب والعقاب ﴿حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ولا شك فإن من قدر على أن ينيم جماعة تلك المدة المديدة أحياء ثم يوقظهم قدر أيضاً على أن يميتهم ثم يحييهم بعد ذلك.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top