يوم الأربعين ـ ٤

يوم الأربعين ـ ٤

وروي عن رجل من الشيعة قال: كنت في الكوفة وليس لي علم بما جرى على الحسين وعياله، فبينما أنا جالس في سوق الكوفة ونفسي تحدثني وهي مستوحشة مما أراه من تغيّر الليل والنهار، وأرى جدران الكوفة كأنها مطلية بدم عبيط، والآفاق مسودة، والجهات متغيرة، وكل من أراه كأن ثيابه ووجهه مطليان بالدم، والناس في حيرة ودهشة عظيمة، ولا أعلم ما سبب ذلك … فبينما أنا على تلك الحالة وإذا أنا بتكبير وتهليل وأصوات عالية ورجة عظيمة، فقمت لانظر ماذا، وإذا برؤوسٍ على الرماح مرفوعة، ونساء على الجمال بغير غطاء ولا وطاء، وبنات صغار وجوههن كالقناديل وكل واحدة على جمل مدبر أعجف وشعورهن منشورة، ورؤوسهن منكسة حياء من النساء، وبينهن شاب على جمل وهو مقيد من تحت بطن الناقة وفخذاه يشخبان دماً، وهو مكشوف الرأس، عاري من الثياب، وبين الحاملين للرؤوس رجل على رمحه رأس، ولم يرَ عليه أثر القتل، وحامله يتحمس ويقول: أنا صاحب الرمح الطويل، أنا صاحب السيف الصقيل، أنا قاتل ذي الدين الأصيل. فقالت له إمرأة من تلك النساء: «وقل يا ويلك من ناغاه في المهد جبرئيل، وقل يا ويلك أنا قاتل محمد المصطفى وفاطمة الزهراء والحسن الزكي وأئمة الهدى وملائكة السماء والأنبياء والأوصياء». فدنوت من واحدة من تلك النساء لأسألها. فقلت لها: ما هذه الرؤوس، وما هذه النساء؟ فصاحت بي صيحة خلت أنها صاعقة أصابت فؤادي، وهي تقول: «أما تستحي من الله أن تنظر إلينا؟!». فسقطت على وجهي مغشياً عليّ، فلما أفقت من غشوتي رأيتهم قد بعدوا عني، فلطمت على وجهي وقلت: هلكت ورب الكعبة. فقمت أعدوا حتى وصلت قريباً منها، فتأدبت بين يديها وأطرقت رأسي حياء منها وأنا أبكي، وهي مشغولة بالبكاء، وأنا أسايرها، ولم أتجرأ على مسألتها، فألتفتت إليّ وقالت: «ما يبكيك يا رجل؟» قلت: عليكم يا سيدتي وعلى ما جرى عليكم، لكن أخبريني من أين أنتم؟ وما هذه الرؤوس المشالة على الرماح؟ فإني أرى لكم هيبة وشأناً جليلاً ينصدع من رؤيتكم قلبي، وعيني تدمع من رؤيتكم، وما رأيت سبايا كسبيكم، ولا مقتولاً تجري على المدامع كمقتولكم، ولم أعرف من أين أنتم. فنكّست رأسها حياء مني، وقالت: «أنا زينب ابنة علي بن أبي طالب، وهذه السبايا بنات رسول الله وبنات علي وفاطمة الزهراء، وذلك الرأس الأزهر المتقدم على الرؤوس رأس الحسين بن علي الذي ذبحوه في أرض كربلاء، وذبحوا أولاده وبني أخيه وأصحابه عن آخرهم، وهذه رؤوسهم، وذلك الشاب المقيّد من تحت بطن الناقة علي بن الحسين إمام العصر بعد أبيه». فلما سمعت كلامها ضربت رأسي بحجر، ومزّقت أطماري، ولطمت وجهي، وقلت: يا سيدتي قلع الله عيناً تنظر إليكم بخيانة، فأنا من محبيكم ومواليكم، وعزيز عليّ ما نالكم وما نزل بكم، فيا لهفتاه عليكم وتأسفي على ما أصابكم. فقالت: «إذا كنت محبّاً لنا فلِمَ لا نصرتنا وحاميت عنّا؟». قلت: سوء حظي يا سيدتي أخّرني عن نصرتكم. ثم أدخلوهم قصر الأمارة.

قال المفيد (رحمة الله): فلما وصل رأس الحسين ورؤوس أهل بيته، جلس ابن زياد (لعنه الله) في قصر الأمارة وأذِنَ للناس إذناً عاماً، وأمر بإحضار رأس الحسين (عليه السلام) فوُضع بين يديه في طشت من ذهب، فجعل ينظر إليه ويتبسم ويقول: لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد الله، وأخذ قضيباً وجعل يضربه على ثناياه، وكان زيد بن أرقم إلى جانبه، وكان شيخاً كبيراً من أصحاب رسول الله|، فلما رآه يضربه بالقضيب قال له: إرفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فو الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت رسول الله يقبلهما كثيراً، ثم انتحب باكياً، فقال له ابن زياد: أتبكي لفتح الله لأميرك؟ لو لا إنك شيخ قد خرفت وذهب عقك لضربت عنقك، فنهض زيد بن أرقم وصار إلى منزله باكياً حزيناً.

قال: وأُدخل عيال الحسين على ابن زياد (لعنه الله) فدخلت زينب أخت الحسين× في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها حتى جلست في ناحية من القصر وحفّ بها إماؤها. فقال ابن زياد (لعنه الله): من هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه. فأعاد عليها القول ثانية وثالثة يسأل عنها، فقال له بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة الزهراء ابنة رسول الله. فأقبل عليها ابن زياد (لعنه الله) وقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت زينب: «الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) وطهرنا من الرجس تطهيراً، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا» فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟ فقالت: «ما رأيت إلا جميلاً. هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبینهم فتحاجّون وتختصمون عنده» فغضب ابن زياد واستشاط، فقال عمرو بن حريث: إنها أيها الأمير إمرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، ولا تلام على خطابها. فقال لها ابن زياد: قد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك. فرقّت زينب وبكت وقالت: «لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرزت أهلي، وقطّعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت».

وروى عن بعض من حضر اليوم الذي ورد فيه رأس الحسين على ابن زياد قال: رأيت ناراً خرجت من القصر كادت أن تحرقه، فقام ابن زياد من سريره هارباً حتى دخل بعض البيوت، فتكلّم رأس الحسين بصوت فصيح جهوري يسمعه ابن زياد ومن كان معه: «إلى أين تهرب من النار؟ فإن عجزت عنك في الدنيا فإنها في الآخرة مثواك ومصيرك».

 قال: فوقع أهل القصر سجّداً لما رأوا من رأس الحسين×، فلما ارتفعت النار سكت رأس الحسين، فطافوا به سكك الكوفة وقبائلها.  فرُوي عن زيد ابن أرقم قال: مر به عليّ وهو على رمح طويل، وأنا في غرفة لي، فلما حاذاني سمعته يقرأ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنَا عَجَبَاً﴾، فلطمت وجهي وقلت: رأسك أعجب، وا عجب يابن بنت رسول الله.

 ومثله ما رُوي عن الحارث ابن وكيدة قال: كنت فيمن حمل رأس الحسين، فسمعته يقرأ سورة الكهف وأنا أشك في نفسي وأنا اسمع نغمة أبي عبد الله، فقال: «يا ابن وكيدة إنا معشر الأئمة أحياء عند ربنا نرزق». قال: فقلت في نفسي أسرق رأسه. فقال: «يا ابن وكيدة ليس لك إلى ذلك سبيل. سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييرهم رأسي، فذرهم فسوف يعلمون إذ هي الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون».

وعن ابن شهر آشوب عن أبي مخنف عن الشعبي أنه صلب رأس الحسين في سوق الصيارفة بالكوفة، فتنحنح الرأس الشريف وقرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى: ﴿إنَّهُم فِتْيَةٌ آمَنوا بِرَبِّهم وَزِدْناهُمْ هُدى﴾.

قال ولما صلبوا رأسه الشريف على الشجرة سمع منه وهو يقرأ: ﴿وَسَيَعَلَمُ الذينَ ظَلَمُوا أيّ مُنْقَلِبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

ولما فرغ القوم من الطواف به في الكوفة ردوه إلى باب القصر. ولله در من قال:

رأس ابن بنت محمد ووصيه
والمسلمون بمسمع وبمنظر
كحلت بمنظرك العيون عماية
أسهرت أجفاناً وكنت لها كرى

يا للرجال على قناة يرفع
لا منكر منهم ولا متوجع
وأصم رزؤك كل أذن تسمع
وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top