يوم الأربعين ـ ٣

يوم الأربعين ـ ٣

قال السيد ابن طاووس: «وسار ابن سعد بالسبايا، فلمّا قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن، قال مسلم الجصاص: دعاني عبيد الله بن زياد إلى إصلاح دار الإمارة بالكوفة، وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة، فأقبلت إلى خادم كان معنا فقلت له: مالي أرى الكوفة تضجّ؟ فقال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد. فقلت: من هذا الخارجي. فقال: الحسين بن علي بن أبي طالب. فتركت الخادم حتى خرج، فلطمت خدّي حتى خشيت على عيني أن تذهبا، وغسلت يدي من الجص وخرجت من القصر وأتيت إلى الناس، فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس إذ أقبلت نحو من أربعين شقة تحمل على عشرين جمل فيها الحرم والأطفال، وإذا بعلي بن الحسين على بعير بغير وطاء، وأوداجه تشخب دماً، وإذا بصيحة قد ارتفعت، وإذا هم قد أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين(ع)، وهو رأس أزهري اللون، قمري الوجه، أشبه الناس برسول الله|، ولحيته كسواد السيج قد نصل منها الخضاب، ووجهه كدائرة قمر طالع، والريح تلعب بها يميناً وشمالاً. فالتفتت زينب الى رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رأينا الدماء تسيل من تحت قناعها، وأومت إليه بحرقة قلب وكآبة، وجعلت تقول:

يا هلالاً لما استتم كمالا
ما توهمت يا شقيق فؤادي
يا أخي قلبك الشفيق علينا
يا أخي فاطم الصغيرة كلها
يا أخي لو ترى علياً لدى الأسر
كلما أوجعوه بالضرب ناداك
يا أخي ضمّه إليك وقرّبه
ما أذل اليتيم حين ينادي

غاله خسفه فأبدا غروبا
كان هذا مقدراً مكتوبا
ماله قد قسى وصار صليبا
فقد كاد قلبها أن يذوبا
من اليتم لا يطيق وجوبا
بقلب يفيض دمعاً سكوبا
وسكّن فؤاده المرعوبا
بأبيه فلا يراه مجيبا»

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top