يوسف

يوسف

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ …﴾ إلى آخر السورة.

وكان من قصته مع إخوته: هو أنه رأى في منامه ذات ليلة كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً قد سجدوا له فلما أصبح قص رؤياه على أبيه فنهاه أبوه عن إذاعتها مخافة عليه من إخوانه أن يكيدوا له كيداً يكون به هلاكه لما يعرفه من حسدهم له لمحبته إياه ومودته له فلما اتصل بهم حديث الرؤيا اشتد بهم الحسد حتى حملهم على الإيقاع به فجعلوا يتآمرون في كيفية ذلك فكان ما تواروا به واتفقوا عليه ما حكاه الله تعالى عنهم ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ فاتفقوا على قتله أو إبعاده عن أبيه في أرض تأكله فيها السباع غير أن أحدهم رأى أن يلقي في غيابة الجب فتأخذه بعض المارة من المسافرين فيذهبوا به إلى بعض النواحي البعيدة فلا يتصل لأبيه كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فلما اتفقوا جميعاً على هذا الرأي الأخير تقدموا إلى أبيهم و ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فأجاب أن لا مانع هناك إلا أني أخاف عليه الذئب حينما تكونون مشغولين بأعمالكم فتنبهوا إلى أن الذئب يأكل ابن آدم ولم يكونوا عارفين بذلك فكأنه لقنهم الحجة حيث قال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ فأجابوا بنشاط وقوة ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ فلما كان الغد ارسله معهم ابتغاء الإلفة والمحبة بعد أن ودعه باكياً فأخرجوه بالحفاوة والإكرام فلما وصلوا إلى الصحراء أظهروا له العداوة وجعلوا يضربونه وهو يستغيث بكل واحد منهم فلا يغيثه وكان يقول يا ابتاه وجاءوا به إلى البئرونزعوا قميصه قهراً وهو يقول ردوا علي قميصي أتوارى به فيقولون ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً يؤنسنك فدلوه في البئر عرياناً حتى إذا بلغ نصفها ألقوه حتى يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه فأمر الله صخرة فارتفعت من أسفل البئر حتى قام عليها يوسف فأضاء البئر وصفا ماؤه وعذب حتى أغناه عن الطعام والشراب وهبط عليه جبرئيل يؤنسه وألبسه قميص جده إبراهيم الخليل حيث كان أبوه يعقوب جعله عليه في تعويذ في عنقه فحله جبرئيل وألبسه إياه.

وعن الصادق× قال لما ألقى أخوة يوسف يوسفاً في الجب نزل عليه جبرئيل فقال له يا غلام من طرحك هنا قال إخوتي لمنزلتي من أبي حسدوني ولذلك في الجب طرحوني فقال أتحب أن تخرج من هذا الجب قال ذاك إلى إله إبراهيم و إسحاق ويعقوب فقال له جبرئيل فإن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك قل اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً وترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب، فجعل الله له من الجب يومئذ مخرجاً ومن كيد المرأة مخرجاً وآتاه ملك مصر من حيث لم يحتسب.

فلنترك يوسف في الجب ونعود مع إخوته لنسمع ما يعتذرون به إلى أبيهم فإنهم لما ألقوه الجب وأيقنوا بهلاكه تقريباً بعد أن لطخوا قميصه بدم شاة ذبحوها رجعوا إلى أبيهم ليلاً كما قال الله تعالى: ﴿وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ﴾ فلما سمع بكائهم قال ما بالكم ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وهذا قميصه ملطخ بدمه كما قال تعالى: ﴿وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ فقال يعقوب أروني قميصه فأروه إياه فلما رأى القميص صحيحاً قال يا بني والله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق قميصه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.

فلندع يعقوب في حزنه ونرجع إلى سجين الجب يوسف فإنه لما دعا بما تقدم أتاح الله له سيارة قافلة فنزلت قريباً من جبه ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ في طلب الماء وهو رجل اسمه مالك بن زعر ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ فتعلق به يوسف فلما خرج ورآه المدلي وإذا هو غلام من أحسن ما طلعت الشمس عليه وأخفوا أمره ليربحوا ثمنه كله ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ غير أن إخوته غلبوا عليه مدعين عبوديته لهم فباعوه من مالك ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ لا تزيد عن عشرين درهماً فحمله مالك إلى مصر فعرضه للبيع فتزايدوا فيه حتى بلغ ثمنه وزنه ورقاً ومسكاً وحريراً فاشتراه عزيز مصر بهذا الثمن وجاء به إلى منزله وقال ﴿لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ حيث كان عقيماً لا يأتي النساء ولا يولد به، فكان يوسف في بيت العزيز كالولد البار الآمر الناهي ليس دونه شيء حتى بلغ أشده ومنتهى شبابه وقوته وكمال عقله مضافاً إلى حسنه وجماله فقد حاز نصف جمال المخلوقين وكان حسنه كضوء النهار عن الليل الأمر الذي دعا زوجة العزيز إلى ما حكى الله تعالى عنها ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ فلا أخونه في أهله وأعرضت زوجة العزيز في إنهاء شهوتها من يوسف واصرت عليه إصراراً شديداً وأغلقت عليه الأبواب فلم يكن له بد إلا الفرار والخروج من البيت فعدى الى الباب فعدت خلفه فالتزمته من خلفه فمزقت ثيابه من ورائه لشدة قبضتها عند الباب كما قال تعالى: ﴿وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ فقد همت به أرادت منه المعصية والفاحشة وهم بها دافعها عن نفسه بقدرته وأراد ضربها ﴿لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بانكشاف الواقع من نتيجة ذلك وهو

قتله المسبب عن قذفها إياه وضربها عند امتناعها فصرف عنه السوء الذي هو القتل والفحشاء وهو ظن اقتراف الفاحشة.

وانهما عند الباب وإذا بزوجها قد أقبل مع ابن عم لها فلما رأت زوجها بادرت بالكلام وألقت المسؤولية والذنب على يوسف طالبة عقابه قائلة: ﴿مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فلم يكن ليوسف بد من الصدق بتنزيه نفسه ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ وهذا قميصي كما ترون فشهد ابن عمها بما رأى مما دلت عليه قرائن الحال كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ﴾.

لأنه القاصد وهي الدافعة ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ﴾ لأنه الهارب وهي الطالبة ففتشوا القميص فوجدوه قد من دبر فحق لدى العزيز خيانتها وبراءة يوسف ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ وبالرغم من ذلك فقد شاع ذلك النبأ وعرفه الناس فكن نساء المدينة يتحدثن به ويعيرن زوجة العزيز ويلمنها ويخطئنها فبلغها ذلك فهيأت لهن مجلساً جمعت أماثلهن فيه وهن أربعون امرأة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ الآيات، ليقطعن الفواكه المعدة لهن فلما اشتغلن بذلك ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنّ﴾ فخرج للخدمة، أو للسلام عليهن أو ليرينه ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَه﴾ أعظمنه وتحيرن في جماله إذ كان كالقمر في ليلة بدر ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ جرحن أيديهن ولم يحسسن بالألم ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيم﴾ فجعلت امرأة العزيز هذا الاعتراف بالإعظام له عذراً لها فاعترفت بخطأها واباحت عما أكنه ضميرها من الإصرار فقالت: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِين﴾ فاستأذن النسوة امرأة أن تخلو به كل واحدة منهن لإقناعه على موافقتها وامتثال أمرها وطاعتها وقضاء حاجتها فلما خلون به ودعته كل واحدة منهن إلى نفسها فلما رأى ذلك قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنّ﴾ فلما يئست منه امرأة العزيز قالت لزوجها إن هذا العبد قد فضحني في الناس من حيث أنه يخبرهم أني راودته عن نفسه ولست أطيق ان أعتذر بعذري فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وأما أن تحبسه كما حبستني فحبسه بعد علمه ببراءته بالآيات الدالة عليها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين﴾  فحبس يوسف فكان رحمة على المسجونين عامة ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَان﴾ أحدهما ساقي الملك والآخر صاحب طعامه فسعى بهما إليه أنهما يريدان سمه فرأى الساقي في منامه كأنه يجني عنباً ويعصره في كأس الملك ويسقيه ورأى صاحب الطعام كأن فوق رأسه ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الطعام وسباع الطير تنهش فأقبلا معاً على يوسف وقصا عليه رؤياهما وقالا ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾فقال ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ فقالا لم نر شيئاً فقال: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ والتفت إلى الساقي المظنون بنجاته وقال ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّك﴾ سيدك الملك إني محبوس ظلماً ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ سبع سنوات متواليات فأنزل الله سبحانه جبرئيل على يوسف وهو في السجن معاتباً على استغاثته بالمخلوق ومعلماً له بمدة بقائه في السجن  كما قال تعالى: ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ سبع سنين فبكى يوسف عند ذلك حتى بكى لبكائه الحيتان وتأذى لبكائه أهل السجن فصالحهم على أن يبكي يوماً ويسكت يوماً وكان يوم سكوته أسوأ حالاً.

فلما نقضت المدة وأذن له بدعاء الفرج وضع خذه على الأرض وقال اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك فإني أتوجه إليك بوجوه آبائي الصالحين إبراهيم وإسحاق ويعقوب ففرج الله عنه وهيأ الأسباب لذلك فرأى الملك في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف مهازيل فدخلت السمان في بطون المهازيل حتى لم ير منهن شيئاً ورأى في منامه سبع سنبلات خضر وسبع سنبلات يابسات قد احتصدت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع لها العلماء والكهنة والسحرة وطلب منهم تعبيرها فما كان منهم إلا أن ﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾ فإنها أباطيل وتخاليط، فجاء الساقي وجثا بين يدي الملك وقال: يا أيها الملك إني قصصت صاحب الطعام على رجل في السجن منامين فأخبر بتأويلها وصدق في جميع ما وصف فإن أذنت مضيت إليه وأتيتك من قبله بتفسير هذه الرؤيا فأذن له فأقبل إلى السجن حتى دخل على يوسف وقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ الآية فإن الملك رأى هذه الرؤيا واشتبه تأويلها ﴿لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فضلك وعلمك فيخرجوك من السجن  فقال يوسف في جوابه معبراً ومعلماً: أما  البقرات السبع العجاف والسنابل السبع اليابسات فالسنون الجدبة وأما السبع السمان والسنابل السبع الخضر فإنهن سبع سنين مخصبات ذوات نعمة وأنتم ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ كعادتكم في الزراعة بجد واجتهاد ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ﴾ من الزرع ﴿فَذَرُوهُ﴾ فدعوه ﴿فِي سُنبُلِهِ﴾ لا تذروه ولا تدوسوه ليكون أبقى له ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ سبع سنين صعاب مجدبات تشد على الناس ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ نسب الأكل إليها لوقوعه فيها ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾ مما تحرزون وتدخرون ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ كما هو الحال في السنين المخصبات يعصر الناس فيها العنب والزيت والسمسم وغيرها لكثرة الثمار فارجع إلى الملك وأخبره فلما رجع الرسول إلى الملك وأخبره ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ فلما جاءه الرسول وقال له أجب الملك أبى يوسف أن يخرج من السجن حتى تتضح براؤته مما قذف به وقال للرسول ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ سيدك الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ليتعرف حالهن فيعلم صحة براءتي فرجع الرسول إلى الملك فأخبره بمقالة يوسف فأرسل الملك إلى النسوة وامرأته معهن فقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ ودعوتنه إلى غير الجميل «فلن حاشا لله ما علمنا من سوء وما فعل شيئا مما نسب إليه وإنه حبس مظلوما» ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ظهر وتبين وحصل ﴿أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فلما تبين للملك أمانة يوسف وبراءته من السوء وعلمه أمر بإحضاره فجاء الرسول إلى يوسف وقال له قم فإن الملك يدعوك والق ثياب السجن عنك والبس ثياباً جدداً فأقبل يوسف وتنظف من درن السجن ولبس ثيابه وأتى الملك بعد أن كتب على باب السجن: هذه قبور الأحياء وبيت الأحزان وتجربة الأصدقاء وشماتة الأعداء، ودعا لأهل السجن قائلاً اللهم اعطف عليهم بقلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار، ودخل على الملك وهو ابن ثلاثين سنة فلما رآه شاباً حدث السن قال يا غلام هذا تأويل رؤياي قال نعم وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً فاستخير يوسف فوجده عالماً بها كلها فقال أحب أن أسمع رؤياي منك شفاهاً فقصها عليه وعبرها له وأخبره بما يجب ويلزم حول ذلك فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفي الشغل فيه فعندها قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ والياً عليها حتى اضعها موضعها فبقي يوسف في بيت الملك سنة كاملة وبعدها توجه الملك وقلده بسيفه وامر بأن يوضع له سرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت ويضرب عليه كلة من استبرق ثم أمره أن يخرج متوجاً لونه كالثلج ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه فانطلق حتى جلس على السرير ودانت له الملوك فعدل بين الناس وأحبه الرجال والنساء وذلك قوله عز اسمه: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء﴾.

قال الرضا صلوات الله عليه: وأقبل يوسف على جمع الطعام فجمعه في السبع السنين المخصبة فكبسه الخزائن فلما مضت تلك السنون وأقبلت المجدبة أقبل يوسف على بيع الطعام فباعهم في السنة الأولى بالدراهم والدنانير حتى لم يبق بمصر ولا حولها دينار ولا درهم إلا سار في مملكة يوسف وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبقى بمصر وما حولها حلي ولا جواهر إلا صار في مملكته وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي حتى لم يبق بمصر و ما حولها دابة ولا ماشية إلا صارت في مملكته وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبقى بمصر وما حولها عبد ولا أمة إلا صار في مملكته وباعهم في السنة الخامسة بالدور والعقار حتى لا يبقى بمصر وما حولها دار ولا عقار إلا صار في مملكته وباعهم في السنة السادسة بالمزارع والأنهار حتى لم يبق بمصر وما حولها نهر أو مزرعة إلا صار في مملكته وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر وما حولها عبد ولا حر إلا صار عبد ليوسف فملك أحرارهم وعبيدهم وأموالهم وقال الناس ما رأينا ولا سمعنا بملك أعطاه الله من الملك ما أعطاه هذا الملك حكماً وعلماً وتدبيراً وهذا هو التمكين المذكور في الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء﴾.

فلنترك يوسف على سرير ملكه ونرجع إلى أبيه وأخوته لننظر كيف حالهم في هذه الأزمة وكيف يأتون كغيرهم يمتارون فقد أصابهم ما أصاب الناس قالوا جمع يعقوب بنيه وقال لهم: بلغني أنه يباع الطعام بمصر وأن صاحبه رجل صالح فاذهبوا إليه فإنه سيحسن إليكم إن شاء الله فتجهزوا وساروا حتى وردوا مصر فدخلوا على يوسف ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ وكان ينتظر قدومهم فقال لهم بواسطة الترجمان من أنتم؟ قالوا نحن قوم من أرض الشام رعاة أصابنا الجهد فجثنا نمتار فقال لعلكم عيون جئتم تنظرون عورة بلادي فقالوا لا والله ما نحن بجواسيس وإنما نحن أخوة بنو أب واحد وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمان ولو تعلم بأبينا لكرمنا عليك فإنه نبيالله وابن أنبيائه وإنه لمحزون قال وما الذي أحزنه فلعل حزنه إنما كان من قبل سفهكم وجهلكم قالوا يا أيها الملك لسنا بسفهاء ولا جهال ولا أتاه الحزن من قبلنا ولكنه كان له ابن أصغرنا سناً وأنه خرج يوماً معنا إلى الصيد فأكله الذئب فلم يزل بعده حزيناً كثيباً باكياً فقال لهم يوسف: كلكم من أب وأم؟ قالوا أبونا واحد وأمهاتنا شتى قال فما حمل أباكم على أن سرحكم كلكم ألا حبس واحداً يستأنس به قالوا قد فعل، حبس منا واحداً وهو أصغرنا سناً لأنه أخو الذي هلك من أمه فأبونا يتسلى به قال فمن يعلم إن الذي تقولونه حق قالوا يا أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا أحد، فقال يوسف فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين وأنا أرضى بذلك قالوا إن أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه قال فدعوا عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون فخلفوه عنده فحمل لكل رجل منهم بعيراً بعدتهم ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ الثمن الذي جاءوا به ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لطلب الميرة مرة أخرى هذا بعد أن وعدهم وتوعدهم ﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ ودخلوا عليه سلموا تسليماً ضعيفاً فقال لهم يا بني ما لكم تسلمون سلاماً ضعيفاً وما لي لا أسمع فيكم صوت شمعون فقالوا يا أبانا إنا جئناك من عند ملك أعظم الناس ملكاً ولم ير الناس مثله حكماً وعلماً وخشوعاً وسكينة ووقاراً ولئن كان لك شبيه فإنه يشبهك ولكنا أهل بيت خلقنا للبلاء أنه اتهمنا وزعم أنه لا يصدقنا حى ترسل معنا ابن يامين برسالة منك إليه ليخبره عن حزنك وما الذي أحزنك وعن سرعة الشيب إليك وذهاب بصرك ومنع منا الكيل فيما يستقبل إن لم نأته  بأخينا ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ ابن يامين ﴿نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ من أن يصيبه سوء ومكروه، فقال يعقوب ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ خير من حفظكم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

وأقبلوا إلى أوعية طعامهم ففتحوها فوجدوا ثمنها فيها وكان يوسف أمر بردها عليهم بأن توضع في رحالهم فوضعت فجاءوا بها وهم لا يعلمون كما قال تعالى ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ما نطلب وراء هذا أوفى لنا الكيل ورد علينا الثمن ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ وبعد أن استوثق يعقوب من  بنيه أجمع بكفالة من بن يامين وحفظه أرسله معهم وسرحهم ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾ لئلا تصابوا بالعين أو بسطوة الملك فدخلوا مصر من أبوابها الأربعة متفرقين وجاءوا يريدون الدخول ولما دخلوا على يوسف قالوا هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به فقال أحسنتم ثم أنزلهم وأكرمهم وأضافهم وقال ليجلس كل بني أم على مائدة فجلسوا وبقي ابن يامين قائماً فرداً فقال له يوسف مالك لا تجلس قال إنك قلت ليجلس كل بني أم على مائدة وليس لي فيهم ابن أم فقال يوسف أفما كان لك ابن أم قال بلى قال يوسف ما فعل قال زعم هؤلاء أن الذئب أكله قال: فلما بلغ من حزنك عليه قال ولد لي أحد عشر أبناً كلهم اشتققت لهم أسماء من اسمه فقال له يوسف أراك قد عانقت النساء وشممت الولد من بعده قال ابن يامين إن لي أباً صالحاً وقد قال لي تزوج لعل الله يخرج منك ذرية تثقل الأرض بالتسبيح فقال يوسف تعال فاجلس معي على مائدتي فقال إخوة يوسف لقد فضل الله يوسف وأخاه حتى أن الملك أجلسه معه على مائدته فجلس ابن يامين مع يوسف وقال له موريا أنا أخوك مكان الهالك ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ مطيباً لنفسه ورافعاً لوحشته.

﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ﴾ أعطاهم ما جاءوا لأجله من الكيل الميرة ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ الصاع أو مشربة الملك ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ﴾ ثم أذن المؤذن بأمر يوسف ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي القافلة ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فأقبل أصحاب العبر على أصحاب يوسف يسألونهم ﴿مَّاذَا تَفْقِدُونَ﴾ من متاعكم ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ ـ كفيل ضامن ـ ﴿قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ بظهور السرقة عندكم ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جزاء السرق أن يستخدم السارق ويسترق على قدر سرقته «فبدأ بأوعيتهم» في التفتيش «قبل وعاء أخيه» لإزالة التهمة ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ﴾ فأقبلوا على ابن يامين وقالوا فضحتنا وسودت وجوهنا متى أخذت هذا الصاع فقال وضع هذا الصاع في رحلي الذي وضع دراهم في رحالكم ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ فليست سرقة بأمر بديع فإنه اقتدى بأخيه يوسف وتوضيح سرقة يوسف أن عمته الحاضنة له بعد أمه ادعت عليه منطقة حزمته بها لتكون سبباً لبقائه عندها لمحبتها إياه كما هو حكم يعقوب في السارق أن يستخدمه المسروق منه على قدر السرقة حيث إن أباه أراد أن يأخذه منها فاحتالت عليه بذلك لا كما ظنه أخوته الذين ألقوه في الجب وادعوا عليه الأباطيل ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ ولم يقابلهم بفعلهم وعملهم سوى أنه قال ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ وضم أخاه إليه فجاءوا يتضرعون ﴿ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ﴾ فلما يأسوا منه اعتزلوا الناس يتشاورون في ذهابهم إلى أبيهم عن غير أخيهم كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ يتناجون فما بينهم فقال شمعون كبيرهم في العقل والعلم ﴿أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ﴾ الآية إلى أن قال: ﴿ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾إلى آخر ما ذكره الله تعالى من مقالهم فقال لهم أبوهم يعقوب ما عندي أن الأمر على ما تقولونه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ فيما أظن ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ فقد بلغ من حزنه حزن سبعين حرى ثكلى فقال له وُلده ﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ دنفاً فاسد العقل ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ الميتين تبرماً ببكائه إذ تنغص عيشهم بذلك أو إشفاقاً عليه ورحمة له فأجابهم ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ وفي هذه الآونة بعد ابن يامين أنزل الله سبحانه عليه جبرئيل فقال: يا يعقوب إن الله يقرأ عليك السلام ويقول أبشر وليفرح قلبك فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك أصنع طعاماً للمساكين فإن أحب عبادي إلي المساكين أو تدري لو أذهبت بصرك وقوست ظهرك لأنكم ذبحتم شاة وأتاكم مسكين وهو صائم فلم تطعموه شيئاً فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغذاء أمر منادياً ينادي ألا من أراد الغذاء من المساكين فليتغذ مع يعقوب وإذا كان صائماً أمر منادياً ألا من كان صائماً فليفطر مع يعقوب رواه الحاكم أبو عبدالله الحافظ في صحيحه وأن يعقوباً سأل ربه ذات يوم أن يهبط عليه ملك الموت فأجابه فقال ما حاجتك قال أخبرني هل مر بك روح يوسف في الأرواح فقال لا فعلم أنه حي فقال: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ استخبروا من شأنهما واطلبوا خبرهما وانظروا ملك مصر ما اسمه وعلى أي دين هو فإنه ألقى في روعي أن الله حبس ابن يامين هو يوسف وإنما طلبه منكم وجعل الصاع في رحله احتيالاً في حبس أخيه عند نفسه ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ فتجهزوا يريدون مصر ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الجوع والحاجة والشدة بهلاك المواشي والبلاء ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ دراهم ردية زيوفا ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ برد أخينا ﴿إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ وهذا كتاب أبينا يعقوب إليك في أمره يسالك تخلية سبيله فمن به علينا فأخذ يوسف كتاب يعقوب وقبله ووضعه على عينه وبكى وانتحب حتى بلت دموعه القميص، ونص الكاب كما عن أبي عبدالله×:

(بسم الله الرحمن الرحيم، إلى عزيز مصر، ومظهر العدل، وموفي الكيل، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صاحب النمرود الذي جمع له النار ليحرقه بها فجعلها الله عليه برداً وسلاماً وأنجاه منها، أخبرك أيها العزيز أنا أهل بيت لم يزل البلاء إلينا صريعاً من الله تعالى ليبلونا عند السراء والضراء، وإن المصائب تتابعت على عشرين سنة أولها أنه كان لي أبنٌ سميته يوسف وكان سروري من بين ولدي، وقرة عيني، وثمرة فؤادي وأن إخوته من غير أمه سألوني أن أبعثه معهم يرتع ويلعب فعثته معهم بكرة فجاءوني عشاءً يبكون وجاءوا على قميصه بدم كذب وزعموا أن الذئب أكله فاشتد لفقده حزني، وكثر عن فراقه بكائي حتى ابيضت عيناي من الحزن وإنه كان له أخ وكنت به معجباً وكان لي أنيساً، وكنت إذا ذكرت يوسف ضممته إلى صدري فسكن بعض ما أجد في صدري، وإن أخوته ذكروا لي أنك سالتهم عنه وأمرتهم أن يأتوك به فإن لم يأتوك به منعتهم الميرة فبعثته معهم ليمتاروا لنا قمحاً فرجعوا إلي وليس هو معهم وذكروا أنه سرق مكيال الملك ونحن أهل بيت لا نسرق وقد حبسته عني وفجعتني به وقد اشتد لفراقه حزني حتى تقوس لذلك ظهري، وعظمت به مصيبتي، مع مصائب تتابعت علي فمنّ علي بتخلية سبيله وإطلاقه من حسبك، وطيب لنا القمح واسمح لنا في السعر، واوف لنا الكيل، وعجل سراح آل إبراهيم).

فلما قرأ الكتاب أقبل عليهم وقال: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) ما أعظم ما ارتكبتم وما أقبح ما أتيتم من قطيعة الرحم وتضييع حقه ﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ورفع التاج عن رأسه فعرفوه و﴿قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ﴾ المظلوم المراد قتله ﴿وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا﴾ بالاجتماع وبكل خير في الدنيا والأخرة ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا﴾ فضلك واختارك الله علينا بالحلم والعلم والعقل والحسن والملك ﴿وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ آثمين فيما فعلنا، قال ﴿قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ في عفوه عنكم ما تقدم من ذنبكم ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فتنافسوا في القميص كل يريد أخذه فقال يوسف إنما يذهب بقميصي من ذهب به أولاً فقال يهوذا أنا ذهبت به وهو ملطخ بالدم فأخبرته أنه أكله الذئب قال فاذهب أيضاً فأخبره أنه حي وأفرحه كما أحزنته. فحمل القميص وخرج حافياً حاسراً حتى أتاه وكان معه سبعة أرغفة وكانت المسافة بينهما ثمانين فرسخاًَ فلم يستوف الأرغفة في الطريق وبالرغم من هذه السرعة الشديدة فقد وجد يعقوب ريح يوسف قبل مسرة ثمان ليال وذلك أن ريح الصبا استأذنت ربها أن تحمل ريحه فتلقيه على يعقوب قبل وصول البشير بهذه المدة ونبه يعقوب على ذلك إذ كان جالساً مع أحفاده إذ قال ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ تقولون أنه شيخ قد هرم وخرف وذهب عقله ﴿فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ﴾ وهو يهوذا ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ عاد إليه بصره بعد العمى وقوته بعد الضعف وشبابه بعد الهرم وسروره بعد الحزن فقال للبشير ما أدري ما أثيبك به هون الله عليك سكرات الموت.

وبعد أيام: وصل جملة أخوة يوسف إلى أبيهم مجهزين بمائتي راحلة مع ما يحتاج إليه في السفر مأمورين بتجهيز أهلهم جميعاً إلى مصر فقال يعقوب لولده تحملوا إلى يوسف من يومكم هذا بأهلكم أجمعين فساروا إليه ويعقوب معهم وخالة يوسف أم يامين فحثوا السير فرحاً وسروراً تسعة ايام إلى مصر فلما دنا يعقوب من مصر تلقاه يوسف في الجند وأهل مصر فقال يعقوب يا يهوذا هذا فرعون مصر قال لا هذا ابنك يوسف فلما دنا كل واحد من صاحبه بدأ يعقوب بالسلام قائلاً: السلام عليك يا مذهب الأحزان وبكى كل منهما فرحاً وسروراً ﴿وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضمهما إليه وأنزلهما عنده ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو سرير الملك إعظاماً لهما وتكريماً ثم دخل منزله وأدهن وتطيب ولبس ثياب العز والملك فلما رأوه سجدوا له جميعاً إعظاماً له وشكراً لله عند ذلك ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.

إلى هنا فلندع يوسفاً وأباه وأمه وإخوته يتمتعون بالملك وعظيم الزلفى ونعود إلى تلك البائسة زوجة العزيز زليخا صاحبة يوسف فقد تركناها معترفة بالذنب منزهة ليوسف تردد الآهات والحسرات عليه وتنظر إلى ما آل أمرها.

في تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم قال: لما مات العزيز وذلك في السنين المجدبة افتقرت امرأة العزيز واحتاجت حتى سألت الناس فقالوا لها ما يضرك لو قعدت للعزيز وكان يوسف يسمى العزيز وكل ملك كان لهم يسمونه بهذا الاسم فقالت أستحي منه فلم يزالوا بها حتى قعدت له فأقبل يوسف في موكبه فقامت إليه زليخا فقالت سبحان من جعل الملوك بالمعصية عبيداً والعبيد بالطاعة ملوكاً فقال يوسف أأنت تلك قالت نعم وكان اسمها زليخا فقال لها هل لك فيّ قالت دعني بعدما يئست أتهزأ بي؟ قال لا قالت نعم، قال فأمر بها فحولت إلى منزله وكانت هرمة فلما جاء إلى المنزل قال لها ألست فعلت بي كذا وكذا؟ قالت يا نبي الله لا تلمني فإني بليت في بلاء لم يبل به أحد قال وما هو؟ قال بليت بحبك ولم يخلق الله لك نظيراً في الدنيا وبليت بأنه لم تكن بمصر امرأة أجمل مني ولا أكثر مالاً مني وبليت بزوج عنين فقال لها يوسف فما حاجتك قالت تسأل الله تعالى أن يردّ عليَّ شبابي فسأل فرد عليها فتزوجها وهي بكر فولدت له افراييم وميشا ورحمة التي تزوجها أيوب.

وتوفي بعد ابيه بثلاثة وعشرين سنة عن عمر لا يقل عن مائة وعشر سنين ودفن في النيل في صندوق من الرخام، وذلك أنه لما مات تشاح الناس عليه كل يحب أن يدفن في محلته لما كان يرجون من بركته فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمر عليه الماء ثم يصل إلى جميع مصر فيكونون فيه كلهم شركاء وفي بركته شرع سواء، فكان قبره في النيل إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر.

هلكم

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top