مـهـنـتـه

مـهـنـتـه

إن من التدبير الحسن لذوي المروة والإنصاف لأنفسهم صون وجوههم عن التكفف والتعفف عما في أيدي الناس بعمل يفيدهم ويغنيهم عن ذلك، فإنه مع ما اتصف به جهاد محمود موجب للعز والرفعة، وخلافه مع عدم تأتي المقصود في كثير من الأحيان موجب للذل والسقوط والمهانة، ففي الخبر:«لو علم الناس ما في السؤال لما سأل أحد أحداً».

وفيه: «لو أن أحدكم أخذ حبلاً فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها ويكف بها وجهه خير له من أن يسأل».

وفيه: «من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم، ومن سأل وله ما يقنيه جاء يوم القيامة وجهه عظم يتقمقع ليس عليه لحم».

وفيه: «من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيام لقي الله يوم يلقاه وليس على وجهه لحم».

مضافاً إلى ذلك ما كل من سأل أعطي، وعلى فرضه فمن ذا الذي يرضى لنفسه أن يكون عالة على من ليس له أهلية ذلك؟ اللهم إلا ساقط النفس، واهي الرأي، ضعيف الهمة، لا يعرف لنفسه قيمة ولا يقيم لها وزناً.

وما يمنع الإنسان من الاشتغال بسائر الأعمال بعد أن زاولها خيار البشر، فهذا رسول الله(ص) زاول التجارة غير مرة أجيراً تارة ومستقلاً أخرى، وذاك أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كان فلاحاً أو زارعاً، حتى أعتق من عمل يده ألف مملوك، ومن اقتدى به واستضاء بنور عمله كثير من أولي الفضيلة والمكانة السامية.

وهذا من نحن بصدده؛ (لقمان الحكيم) كان نجاراً أو خياطاً بعد أن امتهن رعاية الأغنام سنيناً، وهو الذي يقول لولده كما حكى الله تعالى عنه:[وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ]، فكلفه من الأعمال بما يقوم بلوازمه ناهياً له عن الزيادة بقوله: «ولا تدخل في الدنيا دخولاً يضر بآخرتك»، فإنهما ضرتان لا يجتمعان مع ما في الميل إلى الدنيا من الذل لاستلزامه الخضوع إلى المخلوق ولو آناً مّا، ولا خير في مخلوق يخضع لمخلوق من أجل الحطام البائد.

لا تخضعنّ لمخلوق على طمع

فإن ذلك نقص منك في الدين

واستـرزق الله مما في خزائنه

فإن رزقك بين الكاف والنون

واستغن بالله عن دنيا الملوك كما

استغنى الملوك بدنياهم عن الدين

ولا ريب في أن الله تبارك وتعالى قادر على أن يرزق عباده جميعاً بدون أي عمل يتكلفون به، إذ هو القادر على كل شيء، غير أنه لو كان كذلك لما رأيت مما ترى شيئاً من هذا العالم القائم والنظام المتكون، وغلب على الناس البغي والفساد والبطالة واللعب واللهو، وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة. ولعل من ذلك شيء موجود في العالم عبرة لأولي الأبصار وذكرى للذاكرين فاقتضت حكمته تبارك وتعالى أن لا يكون شيء إلا بسبب، ومنه الرزق، فإنه قلّ أن يكون بلا سبب، فجعل سببه السعي والحركة، وهو تبارك وتعالى مسبب الأسباب بلا سبب، فقال تعالى:[فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ].

وفي الحديث القدسي: «حرك يدك وعليَّ إجراء الرزق».

ويقول تعالى لمريم ابنة عمران(ع):[وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا]، وقال الشاعر في ذلك:

ألم ترَ أن الله قال لمريم

وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أن تجنيه من غير هزة

جنته ولكن كل شيءٍ لـه سبب

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top