محاضرة للشیخ مصطفی المرهون بعنوان: دورنا في مواجهة التحديات

محاضرة للشیخ مصطفی المرهون بعنوان: دورنا في مواجهة التحديات

قال تعالى :{خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون}.

   من الملاحظ أن الدول الاستعمارية تقوم بدور التعبئة ضد العالم الإسلامي على فترات متوالية، مما ساهم بقوة في تعزيز النظرة الصهيونية التي يقوم بتسويقها في العالم الغربي، وهي أن الإسلام مصدر تهديد للحضارة الإنسانية المعاصرة.

   وقد تنامت هذه الأطروحة بعد الحادي عشر من ديسمبر، لأنها وجدت صيداً ثميناً يمكن أن تتذرع به، أو تستفيد منه في مواجهة المد الإسلامي، هذا وما فتأ أعداء الإسلام يشنّون الحرب الدعائية الغاشمة على الإسلام والمسلمين خصوصاً التعريض بالقرآن ونبي الإسلام (ص) فتارة بالكاريكاتور وتارة بمس مقامه الشريف (ص) وتارة أخرى بالأفلام وغير ذلك مما يلاحظ على صفحات إعلامهم اليومية.

هذا فضلاً عما فعلته وتفعله بالمسلمين الفلسطينيين العُزّل في أوطانهم، وما فعلته بجيرانها من كوارث مخزية، ولا زالت تعد لحرب ضروس كما نقرأه في الوضع الراهن.

   كل هذا يوضح جذوة العداء الغربي، وتآمر اللوبي الصهيوني، وما عليه أصحاب القرار السياسي العالمي الإستكباري، الذي يفتعل الذرائع بين آونة وأخرى من أجل الانتقام من المجتمع الإسلامي مهما سنحت له الفرصة لمصادرة حرياته ونهب خيراته، وزعزعة أمنه.

   ومن المريب أن يحصل هذا في غياب استراتيجية إسلامية فاعلة ناضجة، تنطلق من صميم العقيدة القرآنية والفكر الإسلامي الواعي لكل مخططات الإمبريالية العالمية، خاصة إن المسلمين يحملون تجربة ثرية في كيفية مواجهة أعداء الإسلام، ويكفيهم وحدة الصف إذا ما توحدوا، والالتفاف حول القيادة الواعية النزيهة، لأنها القوة الحقيقية التي يمكن أن تدعم المشروع الحضاري الإسلامي في مواجهة التحديات والمؤمرات بكل أنواعها وتوجهاتها المعادية للإنسانية.

ومن هنا علينا:

   أولا: المحافظة على الوحدة، والسعي لكل ما يقرّب بين المذاهب الإسلامية، والعمل على التعاون المشترك بين فئات الشعوب الإسلامية، ونبذ الفرقة والتشرذم، والحذر من المفرقين والانتهازيين، ومزوري الحقائق، الذين يكيدون للأمة ويخططون لإضعافها ولا يعيشون إلا على نشر الفتن،  وما هم إلا كخفافيش الليل المظلم.

   ثانيا:  فتح القنوات الفاعلة ذات التأثير المباشر فيما بيننا، لدراسة كل ما يعرض على مجتمعنا من مظاهر البأس والحرمان، ومحاولة التفرقة، ورصد كل القضايا الطارئة، التي ربما يشكل مجموعها نتيجة نستطيع من خلالها أن نتوصل إلى مراكز الألم، والكشف عن مواقع الخطر وأسبابه، حتى نتمكن من دراسة واقعنا الراهن، دراسة دقيقة تمكننا من معرفة الحلول المناسبة لقضايانا الساخنة، ولو بإنشاء المراكز المتخصصة التي تساهم في تنضيج كل ما نحتاج إليه، خاصة وإننا نعاني من خطر الإرهاب بكل أنواعه، وسرعة العولمة التي تستخدم وسائلها للنيل منا كموحدين لله تعالى، ودسائس المنافقين والدجالين المرتزقة والحاقدين، ورعاة الطائفية الرعناء.

   ثالثا: بث الروح الحية التي حملتها رسالة الإسلام من البداية، وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) الكلمة التي أغاضت المستكبرين، وفتحت حصون المشركين، وحملت الناس على التمسك برسالة سيد المرسلين محمد (ص) مضحين بكل ما يملكون من أجل هذا الدين، غير مكترثين بشراسة المواجهة وضراوة التحدي بكل أساليبه وقدراته.

 قال تعالى: {إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا* فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} وقال تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون}

وقال تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}

إن ما يعنيه هذا كله لا شك هو ترسيخ العقيدة، وتنبيه الضمائر الميتة، التي عفى على عقليتها الزمن، فعادت تبحث عن موقع بالدعوة إلى الموروث الإنفعالي، الذي لا يخدم الساحة الفكرية الحاضرة، التي تحتاج أن تتسم بواقع من نوع التحدي، الذي يساهم في حيوية وحركية ساحة الحالة الحاضرة، التي تعيش الإنتظار الحقيقي للمنتظر القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

قال تعالى: { إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} وقال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون}

   أيها الأخوة: إن الإنتصار على أعداء الإسلام في العصر الراهن، حقيقة واقعية أثبتتها الأيام والتجارب، بما نلاحظه من نجاح المشروع الحضاري المعاصر، وانتصار الحجارة في فلسطين، وانتصار القلة المخلصة المؤمنة في جنوب لبنان، ونجاح العراقيين في إزاحة نظام البعث الملحد، وانتشار الصحوة الإسلامية في المجتمعات الموحدة، وزحف الدين الإسلامي المقلق للغربيين بقوة هائلة تجتاح ساحات المثقفين، كل هذا يبعث على التفائل والأمل بتخطي مرحلة الركود والخمول، والدخول في مرحلة العمل الجاد، المواجه لكل أصناف التحديات في واقعنا المعاصر، وإن كلف ذلك تضحية وألما.

    ورحم الله الإمام الخوئي، الذي نعيش ذكراه في هذه الأيام، الرجل الذي قدم للأمة فكرا متميزا في الساحات العلمية الحوزوية كلها، وقدم تلامذته من الأعلام المفكرين والمجتهدين، خاصة في الحقبة الأخيرة من عمره الشريف.

قال تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون}

   ولكي نسير في المسار الصحيح علينا أن نوجه الأمة إلى حب الله تعالى، وحب الإسلام، وأن نصبر على تجاوز المحن بحكمة وروية، كي لا نفتح المجال لمن يحاول أن يثبط من عزيمتنا في طريق الدعوة إلى الله تعالى. وما كان الإمام الزكي (عليه السلام) يتحرك إلا من خلال حكمة القيادة الواعية، في ظرف صعب التحمل، يحتاج إلى صدر رحب، وقلب يتمتع بالقدرة على استيعاب الآخرين، حيث الزمن الصعب، والمحيط الأصعب، وإقبال البعض على الدنيا، وتأوه الصالحين.

   فصبرا يا من قسى عليه الدهر بسبب ولائه، وثباتا يا من يحاول الحاقدون النيل من عزيمته، وحزما للمبدأ وتمسكا بالدين والولاء، فما عمار إلا منار هدى، وما حجر إلا مشروع عقيدة، ولن يخذل الله من نصره. وما جهدنا إلا قليل أمام من ضحى بالكثير من صحابة الرسول (ص) وأهل بيته الطاهرين.

قال سبحانه: {الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}

والحمد لله رب العالمين

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top