لقمان الحكيم

لقمان الحكيم

    إن لقمان الحكيم فريد دهره ولسان عصره والمتفرد بفن الحكمة، رجل فذ وأوحدي صرف، له المكان الكبير الواسع النطاق في قلوب عامة الناس، وهو المثل الأعلى فيما تفرد به من فنون الحكمة، وهو الرجل العارف بأوله ونهايته، كما أنه العارف بأهل زمانه حقاً فجاراهم حسبما تقتضي أحوالهم وظروفهم آخذاً بهم إلى طريق الرشاد فكان الإمام الحكيم الحاذق.

        ولست أحاول في كتابي التعريف والإحاطة بكنه أمثاله، وأنى لي وأنا من القصور عن التعريف بكنه من هو أدنى منه بمكان غير أني أقول:

هي ذات قدسية قد براها

ربها في العوالم القدسيه

ضرب الله للعباد مثالاً

هو لقمان مقتدىً في البريه

هاك فرقان أحمد إنَّ فيه

آي لقمان موضحات القضيه

ليس يخفى على الإله فتيل

فاتخذ حذر من يخاف المنيه

جانب الشرك فهو ظلم عظيمٍ

ليس يعفو عنه عليم الخفيه

خذ حذاراً إذا أردت فراراً

وتمسك بالعترة الأحمديه

إن لقمان قد تولى علياً

وبنيه الأئمة المهديه

فهذه هي تلك الذات المقدسة التي قد ألهمها خالقها الحكمة، فتعلقت بروح الملكوت، فهي لا تعرف إلا خالقها، ولا تلهج إلا بذكر ربها، فما عسى أن يقول القائل ويحرر الكاتب في ذات هذه كنهها وحقيقتها، فإن غاية ما يقول القائلون ويحرر الكاتبون فيمن هو مشهود له بالعلم والعمل والميل إلى الخالق تبارك وتعالى: فلان عابد زاهد، عالم عامل، ورع ناسك.

وقد وصف بذلك كثير من الناس غير أن القرآن الشريف لم ينوِّه بذكر أحد منهم، ولم يكن لهم من الصيت وشياع الذكر ما يكون له أهمية توجب الخلود، ولم يكونوا أئمة يقتدى بهم ما كرّ الجديدان، اللهم إلا ما كان من مؤمن آل فرعون فإنه أنذر قومه وحذرهم الشر، فأثنى الله تعالى عليه بقوله:[وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ] الآيات وآخرها
[فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]، حاكياً حاله وموضحاً مقاله، ليعرف له مقامه وفضله، فقد جاهد بإيمانه الصادق مدافعاً جهده خوفاً على قومه من سوء العاقبة، فحاز بذلك الدرجة الرفيعة والمقام الأسمى، لأن غرضه يهدف لمعنى سامٍ شريف، خالصاً من شوائب الأغراض الشخصية وهو النفع العمومي الذي يحاوله كل شريف كأمثال من نحن بصدده، فإنه له كل ذلك، بل له الميزة الخاصة على أمثال مؤمن آل فرعون:

أولاً: لما تفرد به من الجهود الجبارة في سبيل إنقاذ أمته من تيار الضلال الجارف، مما ستعرف حقيقته من مطاوي هذا الكتاب.

وثانياً: لم امتاز به عن كثير من الناس إن لم نقل كلهم ما عدا الأنبياء والمرسلين والأوصياء المرضيين، فمن ذا الذي أوحى الله تعالى إليه بالخلافة فاشترط فيها؟ لذا ومثله أصبح وحيداً ليس له ند من أفراد العالم إلا من اختاره الله لوحيه واصطفاه لرسالته، فإنه دونهم بلا شك، حيث إن الأنبياء والمرسلين وخلفاء الله في أرضه، وحججه على عباده لا يحوم حولهم أحد، لأنهم خيرة الله من مخلوقاته، فمترجمنا دونهم وفوق من عداهم.

عاش هذا العبد الصالح في زمان كغيره من سائر الأزمنة، يجمع بين النابل والحابل، والغث والسمين، وقوم لا يكادون يفقهون قولاً، غير أنه كان عارفاً بهم حق المعرفة لا يفوته التمايز بين ما انطوت عليه النوايا، فجاراهم حسبما تقتضي أحوالهم وظروفهم، يجادلهم بالتي هي أحسن ويدفع السيئة بالحسنة.

فتراه تارة يفضل العزلة ويجانب السواد لعدم الفائدة في الاختلاط بهم في أوقات قد لا تنفع مواعظه ولا يفيد إرشاده، وتراه أخرى يختلط بالناس اختلاطاً شديداً منتهزاً فرصة نفع الوعظ والإرشاد فلا يألو جهداً، وفي كلا الحالين كان ولا يزال منقطعاً إلى القربين؛ القرب من الله لأنه طمع فيما عنده، والقرب من الناس لأنه زهد فيما عندهم.

وهذا عين ما أجاب به الإمام أمير المؤمنين(ع) حين سأله بعض أصحابه قائلاً: يا مولاي دلني على عمل إن أنا فعلته أحبني الله وأحبني الناس؟ فأجابه: «ارغب فيما عند الله يحببك الله، وازهد فيما عند الناس يحببك الناس».

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top