لقـمان ومـولاه

لقـمان ومـولاه

روي أن لقمان الحكيم (ع) قال له مولاه ذات يوم: اذبح لنا شاة.

فلما ذبحها قال له: آتني بأطيب مضغتين منها.

فأتاه بالقلب واللسان.

فقال له: أما فيها أطيب من هذين؟

فقال: لا.

فسكت عنه، فلما كان ذات يوم آخر؛ قال له: اذبح لنا شاة.

فلما ذبحها قال له: آتني بأخبث مضغتين منها.

فأتاه بالقلب واللسان.

فقال له: أمرتك أول مرة أن تأتيني بأطيب مضغتين منها فأتيتني بالقلب واللسان، وأمرتك هذه المرة أن تأتيني بأخبث مضغتين منها فأتيتني بهما أيضاً؟

فقال: «ليس بأطيب منهما إذا طابا، ولا بأخبث منهما إذا خبثا».

فهما تمام الإنسان وما عداهما من الجوارح أعوان قائمة بوظائفهما بإرشاد القلب وتبليغ اللسان، فالإنسان طيب إذا طابا، وخبيث إذا خبثا. وإلى ذلك يشير زهير في معلقته:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

وكائن ترى من صامت لك معجب

زيادته أو نقصه في التكلم

وكان لقمان مع مولاه إذ دخل المخرج، فأطال الجلوس فيه، فناداه لقمان: «إن طول الجلوس على الخلاء يورث وجع الكبد، ويخرج الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هويناً وقم».

فخرج مولاه وكتب حكمته على باب الحش([1]) خوفاً من النسيان. ويقال: أول ما روي من حكم لقمان مع مولاه هذا الكلام الطبي.

وروي أنه خرج ذات يوم مع رفقة من أصحاب مولاه إلى بستان له ليأتوه بشيء من ثمره، فجاؤوا وليس معهم شيء، وكانوا قد أكلوا كلما جاؤوا به، وأحالوا ذلك على لقمان، وشهدوا عند مولاه أنه أكل الثمر كله.

فقال له مولاه: ما هذا منك؟

فقال له لقمان: «إن ذا الوجهين لا يكون عند الله أميناً، فاسقني وإياهم ماء حميماً، ثم أرسلنا فلنقذفه حتى ترى من الآكل للثمرة».

فسقاهم ذلك وأرسلهم، فتقيأوا ما أكلوا من الفواكه، وتقيأ لقمان ماءً صافياً، فعرف صدقه وكذبهم.

وجلس مولاه وندماؤه، وكانوا جماعة، فلما سكر خاطرهم على شرب ماء بحيرة، فلما أفاق عرف ما وقع، فدعا لقمان، وقال له: لمثل هذا كنت قد خبأتك وادخرتك.

قال: وما ذاك خير حدث؟

فقال: إني خاطرت أصحابي على شرب ماء بحيرة وفيه هلاكي.

فقال له: أخرج كراسيك وأباريقك، ثم اجمعهم وستكفى ما أهمك.

ففعل مولاه ذلك من نصب الكراسي وتهيئة الأباريق مملوءة بالشراب، ثم دعا أصحابه، فلما اجتمعوا جاءهم لقمان وجلس معهم، وقال لهم: على أي شيءٍ خاطرتم فلاناً؟

قالوا: على شرب ماء بحيرة كذا.

فقال: إن بحيرة كذا لها مواد فاحبسوا عنها موادها حتى يشربها إذ لم يخاطركم على شرب ماء الأرض، وإنما خاطركم على شرب ماء بحيرة على وجه الأرض لا يتكلف بشربه الإنسان، فإن أنتم حبستم موادها فهو على مخاطرته معكم، وإن أنتم عجزتم فلا سبيل لكم عليه.

فقالوا: كيف نستطيع حبس مادة سيالة لا تفتر ساعة واحدة؟

فقال: وكيف يستطيع شرب ماء الأرض إنسان؟

فسكتوا، فشكره مولاه على صنيعه، وتعجب القوم من قوة حجته وعدم تلجلجه.

ومثل ذلك ما روي عن ابن شهر آشوب أن تاجراً سكر فخاطر نديمه على شرب ماء البحر كله، وإلا سلم إليه ماله وأهله، فلما أصبح وصحا ندم وجعل صاحبه يطالبه بذلك.

فقال له لقمان: أنا أخلصك بشرط أن لا تعود إلى مثل ذلك، فقال: نعم.

فقال له: قل لصاحبك أنا أشرب الماء الذي فيه الآن فائتني به أو فسد مواده أي أفواهه وأنا أشرب الماء الذي يكون به. فلما اعترضه بذلك أمسك عنه.

وجاء في كتاب (الأذكياء) لابن الجوزي ما نصه: حدثنا مكحول: أن لقمان الحكيم كان عبداً نوبياً أسوداً، وكان قد أعطاه الله تعالى الحكمة، وكان لرجل من بني إسرائيل اشتراه بثلاثين مثقالاً ونصف، وكان يعمل له، وكان مولاه يلعب بالنرد ويقامر عليه، وكان على بابه نهر جارٍ، فلعب يوماً على أن من قمر صاحبه شرب ماء النهر كله أو افتدى منه، وإن هو قمر صاحبه فعل به مثل ذلك.

قال: فقُمِر سيد لقمان. فقال له القامر: اشرب ما في النهر وإلا فافتدِ منه.

قال: فسلني الفدا.

قال: عينيك أفقؤهما أو جميع ما تملك.

قال: أمهلني يومي هذا.

قال: لك ذلك.

قال: فأمسى كئيباً حزيناً، إذ جاءه لقمان وقد حمل حزمة على ظهره، فسلّك على سيده، ثم وضع ما معه ورجع إلى سيده، وكان سيده إذا رآه عبث به ويسمع منه الكلمة الحكمية فيعجب منه، فلما جلس إليه قال لسيده: ما لي أراك كئيباً حزيناً؟

فأعرض عنه، فقال له الثانية مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال له الثالثة مثل ذلك، فأعرض عنه. فقال له: أخبرني لعل لك عندي فرجاً.

فقصّ عليه القصة، فقال له لقمان: لا تغتم فإن لك عندي فرجاً.

قال له: وما هو؟

قال: إذا أتاك الرجل، فقال لك اشرب ما في النهر، فقل له: أشرب ما بين ضفتي النهر أو المد؟ فإنه سيقول لك: اشرب ما بين الضفتين، فإذا قال لك ذلك، فقل له: احبس عني المد حتى أشرب ما بين الضفتين فإنه لا يستطيع أن يحبس عنك المد، فتكون قد خرجت مما ضمنت له.

فعرف سيده أنه قد صدق فطابت نفسه، فلما أصبح جاءه الرجل، فقال له: فِ لي بشرطي.

قال له: نعم، أشرب ما بين الضفتين أو المد؟

قال: لا بل ما بين الضفتين.

قال: فاحبس عني المد.

قال: كيف أستطيع؟

قال: فخصمه. قال: فأعتقه مولاه.



([1]) الحش بالفتح: الكنيف موضع الحاجة.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top