في رثاء الشيخ الوائلي

في رثاء الشيخ الوائلي

سأوسِّعُ المرثاةَ أكثر
بعـد (ربع قرن) من المنافي، عاد أستاذنا الدكتور أحمد الوائلي [رحمه الله]
إلى العراق حيث وافاه الأجل!

لا تطلبوا نَعْياً بِحَجْمِ مَمَاتِهِ
كَبُرَ المماتُ فضاقَ صوتُ نُعاتِهِ

قد كنتُ أسألُ قبلَ عاصفةِ الردى..
والحزنُ يَكْتُبُني بِكُلِّ لُغَاتِهِ:

هَلْ مِنْ ضريحٍ وِسْعَهُ، وَهُوَ الذي
وَسِعَ الزمانَ وفاضَ عن سَنَوَاتِهِ؟!

قد كنتُ أسألُ.. وارتبكتُ على صدى الـ-
ـحَفَّارِ مُنكَـسِراً على مِسْحَاتِهِ!

فمشيتُ مقلوبَ الكيانِ كأنَّني
راعٍ يهشُّ على عَصَاهُ بِشَاتِهِ

وغداةَ فاضَ مُشَيِّعُوهُ، وأغرقوا
بالحزنِ من وادي (الغَرِيِّ) جِهَاتِهِ

وطفَا هناكَ النعشُ فوقَ أصابعٍ
لم تدرِ كيف تحيكُ حَبْلَ نَجَاتِهِ..

ناديتُ.. والموتُ المريرُ يَخُطُّني
ويعودُ يُسْلِمُني إلى مِمْحَاتِهِ:

يا حاملِيهِ على القلوبِ.. تَرَفَّقُوا
بِخزانةِ الآلامِ ملءَ رُفاتِهِ

كَنْزٌ (عراقيٌّ) تَكَدَّسَ بالأسى
والقهرِ منذُ أضاءَ فَجْرُ نَوَاتِهِ

يا طالمَا لَوَتِ الجماركُ ظَهْرَهُ
بِيَدِ الشكوكِ، ومَشَّطَتْ فقراتِهِ

لا تأخذوهُ إلى الترابِ فَإِنَّهُ
تَرَكَ الترابَ لِعاَشِقِيْ شَهَوَاتهِ

وخذوهُ للقرآنِ حيثُ تَخَلَّقَتْ
أمشاجُهُ العَطِرَاتُ من كلماتِهِ

هُوَ سورةُ (الإنسانِ) جَسَّدَها التُقَى
فتَجَسَّدَتْ في شكلِهِ وسِمَاتِهِ

حتَّى إذا غَسَلَ الحياةَ بِزَمْزَمِ الـ-
ـتقوَى وعَطَّرَها بِعِطْرِ صَلاتِهِ

حَنَّ (الكتابُ) لهُ لِيَرْجِعَ (سورةً)
غَرَّاءَ.. شامخةً على (سُوَرَاتِهِ)

فَخُذوهُ للقرآنِ حيثُ تَزَيَّنَتْ
للقائِهِ الآياتُ في صفحاتِهِ!

*****
وأنا سَأعقدُ من حروفيَ مأتماً
تَتَجَرَّحُ الكلماتُ من أنَّاتِهِ

وأذوبُ في وَهَجِ الكآبةِ مثلمَا
قلبُ الوَلِيِّ يذوبُ في صَلَوَاتِهِ

ها إنَّ حُزنيَ جُملةٌ عَرَبِيَّةٌ
تَعْـصَى على الإعرابِ بين نُحَاتِهِ

أَأَخَا عزائيَ.. إنْ تَبَقَّى محجرٌ
في الأرضِ يصلحُ للبكاءِ فَهَاتِهِ

فَتَكَ المُصابُ بمِحْجَرَيَّ ولم أكُنْ
أَكملتُ فصلاً من فصولِ شَكَاتِهِ

وجَرَى قطارُ الذكرياتِ مُحَمَّلاً
بِحقَائبِ الأشواقِ في عَرَباتِهِ

لَـهْـفِـي على ذاكَ القطارِ فطالَمَا
حَطَّمْتُ أضلاعي فِدَى عَجَلاتِهِ

أَيَّامَ كانَ صدى الرسائلِ بينَنا
يسقي دواتِيَ من جحيمِ دَوَاتِهِ

قومُوا اسألونيَ عنهُ فَهْوَ حكايةٌ
زَرَعَ الهوى فيها أَرَقَّ نباتِهِ

دَامٍ بأشواكِ الهمومِ ولم يَزَلْ
يَتَفَتَّقُ الزيتونُ من جَنَباَتِهِ

ما زلتُ أذكرُ حينمَا نَادَمْتُهُ
في ليلةٍ شَرِبَتْ رحيقَ صفاتِهِ

نَفَضَ الدُّجَى وأدارَ نحويَ وَجْهَهُ
وأضاءَ مِصْبَاحَيْنِ من بَسَمَاتِهِ

فإذَا يداهُ حمامتانِ، وقَلْبُهُ
طَلُّ الصباحِ يتيهُ في رَعَشَاتِهِ

وإذَا صداهُ هواءُ فجرٍ ناعمٍ
أَضْحَى يُوَزِّعُ في المدَى نَسَمَاتِهِ

جِـسْرٌ من الأنفاسِ يحملُ بينَنا
نظراتِيَ الوَلْـهَى إلى نَظَرَاتِهِ

ووجوهُنَا بالحُبِّ تَنْضَحُ كُلَّمَا
حَدَقَاتِيَ انْسَكَبَتْ على حَدَقَاتِه

مِنْ تحتِ جلبابِ الحوارِ حَضَنْتُهُ
بِمسامعي وغرقتُ في هَمَسَاتِهِ

ومضيتُ أستهدي شَذَاهُ، وأقتفي
قلبي المسافرَ في حديقةِ ذاتِهِ

يا وَرْدُ.. هَبْنِيَ من لغاتِكَ في الهوَى
لُغَةً لأكتبَ ياسمينَ حياتِهِ

*****
هُوَ ما يضيقُ الموتُ عنهُ، فإنْ يَمُتْ
جَسَداً فجُثَّتُهُ فُتَاتُ فُتاتِهِ

عَبَرَ السنينَ ِلأَلْفِ جيلٍ قادمٍ
وامتدَّ ينفخُ باليقينِ رئاتِهِ

مِنْ منبرٍ مازالَ يشمخُ بالهُدَى
حتَّى استحالَ النجمُ مِنْ دَرَجَاتِهِ!

مَنْ ذَا سيُوقِفُ – مِنْ صداهُ – مسيرةً
تمتدُّ بالأجيالِ عَبْرَ لَهاتِهِ؟!

شَكَّتْ بِقُدْرَتِها الرخامةُ حينما
هَمَّتْ لِتُطْفِئَ عُنفوانَ نَواتِهِ

فإذَا خَلَعْتُ عليهِ رِمْشاً باكياً
وتَرَكْتُ رمشاً للهوى ومَهاتِهِ

ما ذَاكَ إلاَّ حينَ مَرَّ بِخاطري
يختالُ في سِرْبَينِ من لَفَتَاتِهِ

فَطَفِقْتُ أرثيهِ وأُفسِدُ خلوةً
جَمَعَتْهُ في الفردوسِ بين لِدَاتِهِ

(سبعونَ) عاماً.. كلُّ عامٍ طعنةٌ
رَسَمَتْ خريطةَ لوعةٍ في ذاتِهِ

فَغَرِقْتُ في الوَجَعِ المُدَمَّى حينما
طَفَحَتْ جراحَتُهُ على مرثاتِهِ

سَأُوَسِّعُ المرثاةَ أكثرَ.. رُبَّمَا
تستوعبُ (السبعينَ) من طَعَنَاتِهِ !

*****
صَرَخَ (العراقُ) وقدْ رآهُ مُزَمَّلاً
بِغَمَامةٍ سوداءَ من غُرُباتِهِ:

مَنْ ذَا الغريبُ.. عليهِ هيئةُ نخلةٍ
عطشَى، وما شَرِبَتْ سِوى عَبَرَاتِهِ؟!

أَهُوَ ابنُ ماءِ (الرافدينِ) مُقَطَّراً
من رَحْمِ (دجلتهِ) وصُلْبِ (فُراتِهِ)؟!

هُو يا (عراقُ) هُوَ ابنُ مائهمَا الذي
رَوَّى صِبَاهُ وشَفَّ عن زَهَرَاتِهِ

فاغفرْ إذَا وافاكَ والتبَسَتْ على
عينيكَ ما أَلْفَيْتَ من قَسَمَاتِهِ

أَكَلَتْ ملامحَهُ الدروبُ فلمْ يَعُدْ
ذاكَ الذي رَسَمَتْ يداكَ صِفاتِهِ!

ما انفكَّ يَسْحَبُ (رُبْعَ قَرْنٍ) خَلْفَهُ
عَبْرَ المنافي لامتحانِ ثباتِهِ

حَمَلَتْهُ أشرعةُ المصائرِ وانتَحَتْ
قَدَرَ الشتاتِ فكانَ كُفؤَ شَتاتِهِ

سارٍ على وَهَجِ العذابِ كَأنّهُ
ما اختارَ بُوصَلَةً سِوى مأساتِهِ

(أَيُّوبُ).. شيخُ الصابرينِ.. أعارَهُ
صبراً يشدُّ على يَدَيْ مِرْساتِهِ

حتَّى إذا نَفَضَ الوجودَ وخَضَّهُ
بِيَدِ الحقيقةِ فاضِحاً شُبُهَاتِهِ

كَشَفَتْ لهُ الأيامُ عن أسرارِها
لم يبقَ منها غير سِرِّ وَفَاتِهِ

|  1424هـ  | الأديب: جاسم الصحيح

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top