غزوة حمراء الأسد

غزوة حمراء الأسد

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ *الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم عن المسلمين وتلاوموا، فقالوا لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى لم يبق منهم إلا الشريد تركتموهم فارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك الخبر رسول الله(ص) فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال إلا عصابة تسدد لأمر الله تطلب عدوها فإنها انكاء للعدو وأبعد للسمع فانتدب عصابة منهم مع ما بهم والقراح والجراح الذي أصابهم يوم أحد ونادى منادي رسول الله(ص) ألا لا تخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالامس وإنما خرج رسول الله(ص) ليرهب العدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وإن الذين أصابهم لم يوهنهم من عدوهم فينصرفوا فخرج في سبعين رجلاً حتى بلغ حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره أن رسول الله(ص) قال: هل من رجل يأتينا بخبر القوم فلم يجب أحد فقال أمير المؤمنين(ع): أنا آتيك بخبرهم قال: اذهب فإن كانواركبوا الخيل وجنبوا الإبل فإنهم يريدون المدينة وإن كانوا ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فإنهم يريدون مكة فمضى أمير المؤمنين(ع) على ما به من الألم والجراح حتى كان قريباً من القوم فرآهم قد ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فرجع وأخبر رسول الله(ص) بذلك فقال أرادوا مكة فلما دخل رسول الله(ص) المدينة نزل جبرئيل فقال: يا محمد إن الله عز وجل يأمرك أن تخرج ولا يخرج معك إلا من به جراحة فأقبلوا يكمدون جراحاتهم ويداوونها فأنزل الله تعالى على نبيه ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ﴾ فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح حتى بلغوا حمراء الأسد.

وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب: أن رجلاً من أصحاب النبي(ص) من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً قال شهدت أحد أنا وأخ لي فرجعنا جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله(ص) بالخروج في طلب العدو قلنا لا تفوتنا غزوة مع رسول الله(ص) فوالله ما لنا دابة نركبها وما منا إلا ثقيل، فخرجنا مع رسول الله وكنت أيسر جرحاً من أخي فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا مع رسول الله(ص) إلى حمراء الأسد فمر برسول الله معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله(ص) بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في قومك وأصحابك ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم ثم خرج من عند رسول الله(ص) حتى لقى أبا سفيان ومن معه بالروحاء وأجمعوا الرجعة إلى رسول الله وقالوا قد أصبنا أحد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم فلما رأى أبو سفيان معبداً قال ما ورائك يا معبد قال محمد في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقاً وقد اجتمع عليه من كان قد تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم وفيه من الحنق عليكم ما لم أر مثله قط، قال ويلك ما تقول قال فأنا والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم قال فأنا والله أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتاً من شعر، قال وما قلت؟ قال قلت:

كادت تهد من الأصوات راحلتي
ترى بأسد كرام لا تنابلة
فطلت عدواً أظن الأرض مائلة
وقلت ويل ابن حرب من لقائكم
إني نذير لأهل السبل ضاحية
من جيش أحمد لا وحش تنابلة

إذ سألت الأرض بالجرد الأبابيل
عند اللقاء ولا خرق معازيل
لما سمو برئيس غير مخذول
إذا تغمطت البطحاء بالخيل
لكل إربة منهم ومعقول
وليس بوصف ما أثبت بالقيل

                قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومرّ به ركب من عبد قيس فقال أين تريدون؟ فقالوا: نريد المدينة قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها وأحمل لكم إبلكم هذه زبيباً بعكاظ غدا إذا وافيتمونا قالوا نعم فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا الكرة عليه وعلى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومرّ الراكب برسول الله(ص) وهو بحمراء الأسد فأخبره بقول أبي سفيان فقال رسول الله وأصحابه حسبنا الله ونعم الوكيل وانصرف(ص) إلى المدينة بعد الثالثة وقد ظفر في وجهه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن العاص وأبي فرة الجمحي وهذا قول أكثر المفسرين.

وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل إن شئت فقال رسول الله(ص): ذلك بيننا وبينك فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران ثم ألقى الله عليه الرعب فبدا له فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً قال له أبو سفيان إني واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد لا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضفها على يد سهيل بن عمرو فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم بئس الرأي رأيكم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد فكره أصحاب رسول الله الخروج وقال(ص) والذي نفسه بيده لأخرجن ولو وحدي، فأما الجبان فإنه رجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقال حسبنا الله ونعم الوكيل فخرج رسول الله(ص) في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان من مجنة الظهران إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق ويقولون إنما خرجتم تشربون السويق ولم يلق رسول الله(ص) وأصحابه أحداً من المشركين ببدر ووافوا السوق وكانت لهم تجارات فباعوا وأصابوا للدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين كما عن أبي الجارود عن الباقر(ع).

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top