غزوة الخندق

غزوة الخندق

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.

ذكر محمد بن كعب القرظي وغيره من أصحاب السير قالوا كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله(ص) خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله وقالوا إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم فقالت لهم قريش يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب فديننا خير أم دين محمد قالوا بل دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾.

فسر قريشاً ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه فأجمعوا لذلك واتعدوا له ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله(ص) وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه وإن قريشاً قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة والحرث بن عوف في بني مرة ومسعر بن جبلة الأشجعي فيمن تابعه من أشجع وكتبوا إلى حلفائهم من أسد فأقبل طليحة في من اتبعه من أسد وهم حلفاء غطفان وكتبت قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مدداً لقريش فلما علم بذلك رسول الله(ص) ضرب الخندق على المدينة وكان الذي أشار عليه بذلك سلمان الفارسي وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله(ص) وهو يومئذ حر قال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذ حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله والمسلمون حتى أحكموه.

فمما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما روي أن رسول الله(ص) خط الخندق في عام الأحزاب أربعين ذراعاً بين عشرة فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلاً قوياً فقالت الأنصار سلمان منا وقالت المهاجرون سلمان منا فقال رسول الله(ص). سلمان منا أهل البيت.

قال عمرو بن عوف كنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار نقطع أربعين ذراعاً فحفرنا حتى إذا بلغنا الثرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان أرق إلى رسول الله وأخبره عن الصخرة فأما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله(ص) وهو مضرب عليه قبة فقال يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء من الخندق مدورة فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحك فيها قليل ولا كثير فمرنا فيها بأمرك فهبط رسول الله مع سلمان في الخندق وأخذ المعول وضرب به ضربة فلمعت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكان مصباحاً في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله تكبيرة فتح وكبر المسلمون ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت برقة أخرى ثم ضرب الثالثة فلمعت برقة أخرى فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي أرى فقال أما الأولى فإن الله عز وجل فتح عليّ بها اليمن، وأما الثانية فإن الله تعالى فتح عليَّ بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله تعالى فتح عليَّ بها المشرق فاستبشر المسلمون بذلك وقالوا الحمد لله موعد صادق.

وعمل رسول الله(ص) في حفر الخندق حتى وارى التراب بياض بطنه فهو يعمل ويقول:

لا هم لو لا أنت ما اهتدينا
فأنزلن سكينة علينا
إن الأذلاء قد بغوا علينا

ولا تصدقنا ولا صلينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
إذا أرادوا فتنة أبينا

ويمسه الجوع حتى يربط على بطنه حجر المجاعة، وقد روي كذلك مراراً، فمنها ما روي عن جابر أنه رآه كذلك فجاء إلى أهله فقال رأيت الحجر على بطن رسول الله(ص) وأظنه جائعاً فلو أصلحنا هذا الشعر وهذه الشاة ودعونا رسول الله إلينا كان لنا قربة عند الله تعالى قالت فاذهب فاعلمه فإن اذن فعلناه فذهبت إليه وقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل غدائك اليوم عندنا قال وما عندك قلت صاع من شعير وشاة قال أفأصير إليك مع من أحب أو أنا وحدي فكرهت أن أقول أنت وحدك قلت بل مع من تحب وظننته يريد عيلاً بذلك فرجعت إلى أهلي وقلت أصلحي أنت الشعير وأنا أصلح الشاة فلما فرغنا من ذلك جعلنا الشاة كلها قطعاً في قدر واحد وماء وملحاً وخبزت أهلي ذلك الدقيق فصرت إليه وقلت يا رسول الله قد أصلحنا ذلك فوقف على شفير الخندق ونادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أجيبوا دعوة جابر فخرج جميع المهاجرين والأنصار وخرج النبي والناس خلفه ولم يكن يمر بملأ من المدينة إلا قال أجيبوا دعوة جابر فأسرعت إلى أهلي وقلت قد أتانا رسول الله بما لا قبل لنا به وعرفتها خبر الجماعة فقالت ألست قد عرفته ما عندنا قلت بلى فقالت لا عليك رسول الله أعلم بما يفعل فكانت أهلي أفقه مني فأمر رسول الله(ص) الناس بالجلوس خارج الدار ودخل هو وعلي فنظر إلى التنور والخبز فيه وكشف القدر ونظر فيها ثم قال للمرأة أقلعي من التنور رغيفاً رغيفاً وناوليني واحداً بعد واحد فجعلت تقلع وتناوله وهو وعلي يثردان في الجفنة ثم تعود المرأة إلى التنور فتجد مكان الرغيف الذي قلعته مثله فلما امتلأت الجفنة بالثريد غرف عليها من القدر وقال يا جابر هات الذراع فأتيته به ثم أدخل عليّ عشرة من الناس فدخلوا وأكلوا وشبعوا ثم قال يا جابر هات الذراع فأتيته به وقال ادخل عليّ عشرة من الناس فدخلوا وأكلوا وشبعوا والثريد بحاله ثم قال هات الذراع فأتيته به وقال ادخل عليّ عشرة من الناس فدخلوا وأكلوا وشبعوا والثريد بحاله ثم قال هات الذراع فقلت يا رسول الله كم للشاة من ذراع؟ قال ذراعان قلت قد أتيتك بثلاثة فقال لو سكت لأكل الناس كلهم من الذراع فلم يزل يدخل عشرة عشرة ويخرج عشرة عشرة حتى أكل الناس جميعاً ثم قال تعالى حتى نأكل نحن وأنت فأكلنا وشبعنا والخبز في التنور لم يتغير واللحم في القدر لم ينقص منه شيء.

ولما فرغ رسول الله(ص) من حفر الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد وخرج رسول الله(ص) في ثلاثة آلاف من المسلمين وجعل جبل سلع إلى خلفه وضرب هناك معسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن وظهر النفاق من بعض المنافقين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف فأقام رسول الله(ص) وأقام المشركون عليه بضعاً وعشرين ليلة لم يكن بينهم قتال إلى الرمي بالنبل وإن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لوي وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله تلبسوا للقتال وخرجوا على خيولهم حتى مروا بمنزال بن كنانة فقالوا تهيأوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ثم أقبلوا تعنق بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق فقالوا إن هذه والله لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم يمموا مكاناً ضيقاً من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها وأقبلت الفرسان نحوهم.

وكان عمرو بن عبد ود فارس قريش يعد بألف فارس وكان يسمى فارس يليل لأنه أقبل في ركب من قريش حتى إذا كانوا بيليل وهو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد فقال لأصحابه أمضوا فمضوا فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه فعرف بذلك وإنه لما طفر الخندق يوم الأحزاب كان ينادي من يبارز فقام علي(ع) وهو مقنع بالحديد فقال أنا له يا نبي الله فقال إنه عمرو اجلس ونادى عمرو إلا رجل وهو يؤنبهم ويقول أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها؟ فقام إليه علي(ص) وقال أنا له يا رسول الله ثم نادى عمرو الثالثة وقال:

ولقد نجحت من النداء
ووقفت إذ جبن المشجع
أن السماحة والشجا

بجمعكم هل من مبارز
موقف البطل المناجز
عة في الفتى خير الغرائز

فقام علي(ع) وقال يا رسول الله أنا فقال إنه عمرو فقال وإن كان عمرواً فاستأذن رسول الله(ص) فأذن له وألبسه درعه ذات الفضول وأعطاه سيفه ذا الفقار وعممه عمامته السحاب ثم قال له تقدم فلما ولى قال(ص) اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه فمشى إليه صلوات الله عليه وهو يقول:

لا تعجلن فقد أتاك
ذو نية وبصيرة
إني لأرجو أن أقيم
من ضربة بخلاء يبقى

مجيب صوتك غير عاجز
والصدق منجي كل فائز
عليك نائحة الجنائز
صيتها حتى الهزاهز

فقال له عمرو من أنت قال أنا علي قال ابن عبد مناف فقال أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فقال غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك فقال علي(ص) لكني والله ما أكره أن أهريق دمك فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضباً فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو في الدرقة فقدها وأثبت السيف في رأسه(ع) فشجه وضربه علي(ع) على حبل العاتق فسقط واقعاً على قفاه وثارت بينهما عجاجة وسمع علي يكبر فقال رسول الله(ص) قتله والذي نفسي بيده فابتدر بعض الأصحاب العجاج فإذا علي يمسح سيفه بدرع عمرو فكر راجاً وقال يا رسول الله قتل علي عمروا وحز علي رأس عمرو وأقبل نحو رسول الله ووجهه يتهلل فقال عمرو بن الخطاب هلا استلبته درعه فإنه ليس للعرب درع خير منها فقال ضربته فأتقاني بسوأته فاستحييت من ابن عمي إن استلبه.

فقال النبي(ص) أبشر يا علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهن ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا دخله عز بقتل عمرو وخرج أصحاب عمرو منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق وتبادر المسلمون فوجدوا نوفل بن عبد العزى في جوف الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم قتلي أجمل من هذه ينزل إلي أحدكم أقاتله فطعنه علي(ع) في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق فبعث المشركون إلى رسول الله(ص) يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي(ص) هو لكم لا نأكل ثمن الموتى وقال علي(ع) أبياتاً في شأنه مع عمرو منها:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه
فضربته وتركته متجدلا
وعففت عن أثوابه ولو أنني

ونصرت رب محمد بصواب
كالجذع بين دكادك وروابي
كنت المقصر بزني أثوابي

وانصرف النبي مع المسلمين من الخندق وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين(ع).

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top