غزوة أحد

غزوة أحد

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

عن أبي عبد الله× أنه قال: كان سبب غزوة أحد أن قريشاً لما رجعت من بدر إلى مكة وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والأسر لأنه قتل منهم سبعون وأسر سبعون قال أبو سفيان يا معشر قريش لا تدعوا نسائكم يبكين على قتلاكم فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمد فلما غزوا رسول الله(ص) يوم أحد أذنوا لنسائهم في البكاء والنوح وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس وألفي راجل وأخرجوا معهم النساء فلما بلغ رسول الله(ص) ذلك جمع أصحابه وحثهم على الجهاد فقال عبد الله ابن أبي سلول يا رسول الله لا نخرج من المدينة حتى تقاتل في أزقتها فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والأمة على أفواه السكك والسطوح فما أرادها قوم قط فظفروا بنا ونحن في حصوننا ودورنا وما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا كان الظفر لهم علينا فقام سعد بن معاد وغيره من الأوس فقالوا يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب ونحن مشركون نعبد الأصنام، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيداً ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله، فقبل رسول الله رأيه وخرج مع نفر من أصحابه يتبوأون موضع القتال كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الآية وقعد عنه عبد الله بن أبي سلول وجماعة من الخوارج اتبعوا رأيه ووافت قريش إلى أحد وكان رسول الله(ص) عبأ أصحابه وكانوا سبعمائة رجل ووضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان فقال لعبد الله بن جبير وأصحابه أن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم، ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مأني فارس كميناً وقال إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا ورائهم وعبأ رسول الله(ص) أصحابه ودفع الراية إلى أمير المؤمنين× وحمل الأنصار على قريش فانهزموا هزيمة قبيحة ووضع أصحاب رسول الله في سوادهم وانحط خالد بن الوليد في مأني فارس على عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجع ونظر أصحاب ابن جبير أصحاب رسول الله ينتهبون سواد القوم فقالوا له قد غنم أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة فقال لهم عبد الله اتقوا الله فإن رسول الله تقدم إلينا أن لا نبرح فلم يقبلوا منه وأقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم وبقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلاً وكانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبيدي من بني عبد الدار فقتله علي× وأخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله علي وسقطت الراية فأخذها مسافع بن أبي طلحة فقتله علي حتى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار حتى صار لواهم إلى عبد أسود لهم يقال له صواب فانتهى إليه علي فقطع يده اليمنى فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه فقطعها فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره ثم التفت إلى أبي سفيان فقال: هل اعتذرت في بني عبد الدار فضربه على رأسه فقتله وسقط اللواء فأخذتها عمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير وقد فر أصحابه وبقي في نفر قليل فقتلهم على باب الشعب ثم أتى المسلمين من أدبارهم ونظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها وانهزم أصحاب رسول الله(ص)هزيمة عظيمة وأقبلوا يصعدون في الجبال في كل وجه فلما رأى رسول الله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال أنا رسول الله أنا رسول الله إلى أين تفرون عن الله تعالى وعن رسوله وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلاً ومكحلة وقالت إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا وكان حمزة بن عبد المطلب (رض) يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد وكانت هند قد أعطت وحشياً عهداً لئن قتلت محمداً أو علياً أو حمزة لأعطينك كذا وكذا وكان وحشي عبد الجبير بن مطعم حبشياً فقال وحشي، أما محمد فلا أقدر عليه وأما علي فرأيته حذراً كثير الالفتات فلا مطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هداً فمر بي فوطىء على جرف نهر فسقط وأخذت حربتي فهززتها ورميته بها فوقعت في خاصرته وخرجت من ثبته فسقط فأتيته وشققت بطنه وأخذت كبده وأتيت بها إلى هند وقلت هذه كبد حمزة فأخذتها في فمها فلاكتها فجعلها الله في فمها مثلاً الداغصة وهي عظم رأس الركبة فلفظتها ورمت بها قال رسول الله(ص) فبعث الله ملكاً فحمله ورده إلى موضعه قال: فجاءت إليه وقطعت مذاكيره وقطعت أذنيه وقطعت يده ورجله، ولم يبق مع رسول الله إلا أبو دجانة سماك بن خرشة وعلي× وكلما حملت طائفة على رسول الله استقبلهم علي فدفعهم عنه حتى تقطع سيفه فدفع إليه رسول الله(ص) سيفه ذا الفقار وانحاز رسول الله إلى ناحية (أحد) فوقف وكان القتال من وجه واحد فلم يزل علي يقاتل حتى أصابه في رأسه ووجهه ويديه وبطنه ورجليه سبعون جراحة فقال جبرئيل أن هذه هي المواساة يا محمد، فقال(ص) إنه مني وأنا منه فقال جبرئيل وأنا منكما، قال أبو عبد الله× نظر رسول الله إلى جبرئيل بين السماء والأرض على كرسي من ذهب وهو يقول: «لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي» وكانت هذه الغزوة في النصف من شهر شوال سنة ثلاثة من الهجرة ومن نتائجها المؤلمة قتل حمزة وكسر رباعية رسول الله وشج وجهه وكان المشركون مثَّلوا بقتلى المسلمون الذين لا يقلون عن سبعين وأعظمهم مثله سيد الشهداء حمزة كما عرفت، ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

ومما أنزل الله تعالى في هذه الغزوة قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.

قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية أنه لما أرجف بأن النبي(ص) قد قتل يوم أحد وأشيع ذلك قال الناس لو كان نبياً لما قتل وقال آخرون نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به وارتد بعضهم وانهزم بعضهم وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم إخلال الرماة لمكانهم من الشعب وكان رسول الله(ص) نهاهم عن الإخلال به وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلاً وقال: لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم، وجاءت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن الدفوف وينشدن الأشعار فقالت هند:

نحن بنات طارق                نمشي على النمارق

إن تقبلوا نعانق                   أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش وعبيد أهل مكة فقاتلهم قتالاً شديداً وحميت الحروب فقال رسول الله(ص) من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء وجعل يفتخر تبختراً ويقول:

أنا الذي عاهدني خليلي                     أن لا أقيم الدهر في الكيول

أضرب بسيف الله والرسول

فقال رسول الله(ص)إنما لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع ثم حمل النبي وأصحابه على المشركين فهزموهم وقتل علي بن أبي طالب× أصحاب اللواء كما تقدم بيانه وأنزل الله نصرته على المسلمين، قال الزبير رأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبال نادية خدامهن ما دونهن شيء فلما رأيت الرمات إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي(ص) وأصحابه ينتبهون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب واختلفوا فقال بعضهم لا تتركوا أمر رسول الله(ص) وقال بعضهم ما بقي من الأمر شيء ثم انطلق عامتهم ولحقوا بالعسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب النبي من خلفهم فهزموهم وقتلوهم ورمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله(ص) بحجر وكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه وأقبل يريد قتله فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله يوم بدر ويوم أحد عن رسول الله(ص) حتى قتل مصعب بن عمير قتله ابن قمئه فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله(ص) وقال إني قتلت محمداً وصاح صائح ألا إن محمداً قد قتل ويقال إن ذلك الصائح كان إبليس (لعنه الله) فانكفى الناس وجعل رسول الله(ص) يدعو الناس ويقول إلي عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سيلة قوسه وأصيبت يد طلحة بن عبد الله فيبست وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ فردها رسول الله(ص)مكانها فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله أدركه أبي خلف الجمحي وهو يقول لا نجوتُ إن نجوت فقال القوم يا رسول الله ألا يعطف عليه أحد منا فقال دعوه حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقي رسول الله(ص) ويقول عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذره أقتلك عليها فقال رسول الله بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما كان يوم أحد ودنا منه تناول رسول الله الحربة من الحرث بن الصمة فاستقبله وطعنه في عنقه فخدشه فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول قتلني محمد فاحتمله أصحابه وقالوا ليس عليك بأس قال بلى لو كانت هذه بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي أقتلك فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات وفشا في الناس أن رسول الله قد قتل فولوا مدبرين بعد اختلاف كلمتهم سوى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× فقد كان المظهر الأتم للدفاع عن رسول الله وعن الدين حتى كانت كلمة الله هي العليا وكلمة الدين وكلمة الذين كفروا السفلى وقد مر ما يزيدك وثوقاً واطمئناناً.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top