صــــبره

صــــبره

قال الله سبحـانه وتعــالى:[إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ
حِسَابٍ].

عرف لقمان ذلك فأيقن بصدق الوعد من ربه تبارك وتعالى، فصبر على كل ما أصابه في دار الدنيا صبراً قلَّ أن يستطيعه أحد، اللهم إلا أهل بيت النبوة (صلوات الله عليهم)، فابتلى بأوباش زمانه وأذناب قومه حتى بلغ بهم الحال معه أنهم يقابلونه بما يكره، فيقولون:«ما أقبح وجهك» إلى غير ذلك غير أنه يتلقى ذلك برحابة صدر وبشاشة وجه لما جبل عليه من حسن الأخلاق ودماثة الطبع وسلامة الضمير.

أضف إلى ذلك ما ابتلي به من فقد الأحبة الذي قوبل لعظمه بهول المطلع، كما جاءت الرواية عن الحسن المجتبى(ع) أنه بكى حال الاحتضار، فقال له أخوه الحسين (ع): ما يبكيك يا أخي؟ فقال:«أبكي لفراق الأحبة وهول المطلع».

فكان مما ابتلي به من فقد الأحبة مضافاً إلى فقد الأولاد ما روي عن عبدالله بن دينار قال: إن لقمان قدم من سفر له فتلقاه غلام في الطريق، فسأله عما يتعلق به من أهله كما هي عادة المسافر إذا قدم قائلاً ما فعل أبي.

فقال له: مات.

فقال: الحمد لله عتق نصفي.

فأعاد عليه سائلاً: ما فعلت أمي؟

فقال: ماتت.

فحمد الله، وقال: عتق كلي، فما فعلت زوجتي؟

فقال: ماتت.

فقال: جدد فراشي، ما فعلت أختي؟

فقال: ماتت.

فقال: سترت عورتي، فما فعل أخي؟

فقال: مات.

فقال: انقطع ظهري.

وهذا جواب ظاهر عليه الانكسار مخالف لما تقدمه من الأجوبة، ولعله لم يخفَ عليك ما في ذلك من السر الوحيد والحقيقة الراهنة الذين يدعوان إلى ذلك، حيث إن كل فرد مما يتعلق بالإنسان بنسبة أو صداقة أو أي علاقة حينما يقدر الله بالفراق الذي لا بد منه بينهما ولو بعد حين يمكن أن يكون له خلف، وربما كان خيراً منه، كالزوجة والولد كما يشهد به الوجدان. وقد يكون في فقده راحة وإن لم يكن له خلف كالأخت والبنت، فإن في فقدهما راحة الضمير إذ هما عورة لا يسترها إلا الزوج أو القبر، والثاني أعظم حفظاً من الأول، وقد يكون في الفراق عتق النفس وملك الأمر، كفراق الأبوين فقد يكون ولدهما موفقاً لبرهما والإحسان إليهما حتى يبلغا الكبر عنده بدون سأم وتبرم، وهذا قليل، وقد يكون رافضاً لهما ولحقوقهما غير معتـن بهما، فيكون عاقاً لهما مأثوماً لرفضهما وقت حاجتهما لإحسانه وبره، فما أعظمهما من موبقة كبيرة، فلا إشكال أن فقدهما أو فقده قبل وقوع ذلك منه راحة له وعتق لنفسه وملك لأمره.

أما فراق الأخ مطلقاً إذا كان متصفاً بمعاني الأخوة، فإن فيه العطب والهلاك المعبر عنهما بانكسار الظهر أو انقطاعه، حيث إنه يكون خلياً من كل يستند إليه ويعتمد عليه معرضاً للأهواء والأغراض التي كانت ممنوعة منه حال وجود ذلك الأخ الفادي نفسه والباذل مهجته دون أخيه، فترى كلاً منهما مستنداً الآخر يحامي عن أخيه أكثر مما يحامي عن نفسه سلاحاً كاملاً مصداقاً لقول:

أخاك أخاك إنّ من لا أخا له

كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح

وقول الآخر:

إنّ أخاك الصدق من يسعى معك

ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك

شتت فيك شمله ليجمعك

وإليك بيان تلك المعاني التي تصدق معها الأخوة كما جاءت مفصلة في وصية الإمام الحسن بن علي (صلوات الله وسلامه عليهما) لجنادة:

«إذا صبحته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن صلت شد صولتك، وإن قلت صدَّق قولك، وإن مددت يدك بفضل مدها، وإن بدت منك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها، إن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك، وإن نزلت بك إحدى الملمات واساك، من لا تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما مقتسماً آثرك».

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top