صالح وقومه والناقة

صالح وقومه والناقة

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

وكان من قصة صالح وقومه على ما ذكره أصحاب التواريخ: إن عاداً لما هلكت وتقضى أمرها عمرت ثمود بعدها واستخلفوا في الأرض وكثروا وعمروا وكانوا في سعة من معايشهم فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله تعالى فبعث الله إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً فلبث فيهم يدعوهم إلى الله ما شاءالله من السنين وهم لا يجيبونه إلى خير وكان لهم سبعون صنماً يعبدونها فلما رأى ذلك منهم قال لهم أنا أعرض عليكم أمرين: إن شئتم فسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما تسألون، وإن شئتم سألت آلتهكم فإن أجابوني خرجت عنكم فقد شنئتكم وشنئتموني قالوا قد أنصفت فاتعدوا ليوم يخرجون فيه فخرجوا بأصنامهم إلى عيدهم وأكلوا وشربوا فلما فرغوا دعوه وقالوا يا صالح سل فسألها فلم تجبه فقال لا أرى آلهتكم تجيبني فسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم الساعة فقالوا يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة منفردة ناقة مخترجة جوفاء وبراء فإن فعلت صدقناك وآمنا بك، فرفع صالح يد، وسأل الله سبحانه ذلك، فانصدعت الصخرة صدعاً كادت عقولهم تطير منه، ثم اضطربت كالمرأة يأخذها الطلق ثم انصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله عظماً وهم ينظرون ثم نتجت سقباً مثلها في العظم فآمن به رهط من قومه ولم يؤمن أكابرهم فقال لهم صالح هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم فإذا كان يومها وضعت رأسها في مائهم فما ترفعه حتى تشرب كلما فيه ثم ترفع رأسها فتفجع لهم فيحتلبون ما شاءوا من لبن فيشربون ويدخرون حتى يملؤا أوانيهم فكانوا في سعة ودعة منها وكانوا يشربون الماء يوم الناقة من الجبال والمغارات فشق ذلك عليهم وكانت مواشيهم تنفر منها لعظمتها فهموا بقتلها قالوا وكانت امرأة جميلة يقال لها صدوف ذات مال من إبل وبقر وغنم وكانت اشد الناس عداوة لصالح فدعت رجلاً من ثمود يقال له مصدع بن مهرج وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة وامرأة أخرى يقال لها عنيزة دعت قدار بن سالف وقالت له أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكان قدار عزيزاً منيعاً في قومه فانطلق قدار ومصدع فاستغويا غواة ثمود فاتبعهما سبعة نفر وأجمعوا على عقر الناقة فرصدوها حين صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في أصل أخرى فمرت على مصدع فرمى بسهم فانتظمت به عضلة ساقها وخرجت عنيزة وأمرة ابنتها وكانت من أحسن الناس صورة فأسفرت لقدار ثم زمرته فشد على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فجزت ورغت رغاة واحدة وتحذر سقبها ثم طعن في لبتها ونحرها وخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه فلما رأى الفصيل ما فعل بأمه ولى هارباً حتى صعد جبلاً ثم رغا رغاء تقطعت منه قلوب القوم وأقبل صالح فخرجوا يعتذرون إليه إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا فقال صالح انظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا يطلبونه في الجبل فلم يجدوه وكانوا عقروا الناقة ليلة الأربعاء فقال لهم صالح تمتعوا في داركم يعني في محلتكم في الدنيا ثلاثة أيام فإن العذاب نازل بكم ثم قال يا قوم إنكم تصبحون غداً ووجوهكم مصفرة واليوم الثاني تصبحون ووجوهكم محمرة واليوم الثالث وجوهكم مسودة فلما كان أول يوم اصبحت وجوههم مصفرة فقالوا جاءكم ما قال لكم صالح لما كان اليوم الثاني احمرت وجوههم واليوم الثالث اسودت وجوههم فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم وكانوا قد تحنطوا وتكفنوا وعلموا أن العذاب نازل بهم فماتوا أجمعين في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم فلم يبق الله منهم ثاغية ولا راغية ولا شيئاً يتنفس إلا أهلكه فأصبحوا في ديارهم موتى ثم أرسل الله إليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقتهم أجمعين.

وروي الثعلبي بإسناده مرفوعاً عن النبي‘ قال يا علي: أتدري من أشقى الأولين؟ قال قلت الله ورسوله أعلم قال عاقر الناقة قال أتدري من اشقى الآخرين قال قلت الله ورسوله أعلم قال قاتلك.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top