ذو القرنين

ذو القرنين

 ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾.

روي عن أمير المؤمنين× أنه قال: كان ذو القرنين عبداً صالحاً أحب الله وأحبه الله وناصح الله وناصحه، قد أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه ضربة بالسيف فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إليهم فدعاهم إلى الله فضربوه على قرنه الآخر بالسيف فذانك قرناه وفيكم مثله ـ يعني نفسه×، سخر الله له السحاب فحمله عليها ومد له في الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ بسطنا يده في الأرض وملكناه حتى استولى عليها وقام بمصالحها ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ علماً يتسبب به إلى إرادته ويبلغ به حاجته ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ طريقاً واحداً في سلوكه في المسير إلى المغرب ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ آخر العمران من جانب المغرب وهناك وجد قوماً مشركين لم يكن ورائهم أحد إلى موضع غروب الشمس فألهمه الله تعالى التخيير بين التعذيب أو التأديب بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ فقضي فيهم بقضاء الله تعالى فقال ما حكاه الله عنه: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ فقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا﴾ أشد من القتل وهو النار ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ سلك طريقاً آخراً ليؤديه إلى المشرق من مطلق الشمس فلما بلغه ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾  فليس في أرضهم جبل ولا شجرة ولا بناء فكانوا إذا طلعت الشمس يغورون في المياه والأسراب وإذا غربت تصرفوا في أمورهم، فجاوزهم ذو القرنين ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ففهم الله ذا القرنين لغتهم كما فهم سليمان منطق الطير حيث ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يدعون شيئاً أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلى احتملوه من كل شيء.

وعن حذيفة قال: سألت رسول الله| عن يأجوج ومأجوج، فقال: يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر؟ إلى ألف ذكر من صلبه كل قد حمل السلاح، قلت يا رسول الله صفهم لنا؟ قال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز قلت يا رسول الله وما الأرز قال شجر بالشام طوال وصنف منهم طولهم وعرضهم سواء وهؤلاء الذين لا يقوم لهم خيل ولا حديد وصنف منهم طولهم وعرضهم سواء وهؤلاء الذين لا يقوم لهم خيل ولا حديد وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش إلا أكلوه ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية اهـ.

فمنوا بهم أولئك المجاورون لهم حتى من الله عليهم بمرور ذي القرنين فهم ففزعوا إليه شاكين فعالهم من الفساد قائلين ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ بعضاً من أموالنا ﴿عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ حائطاً يمنعهم من الاتصال بنا فقال ذو القرنين ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ مما عرضتموه علي من أموالكم (فأعينوني بقوة) برجال (أجعل بينكم وبينهم ردماً) سداً حاجزاً لا يستطيعون له نقباً فابتدأ بالعمل فقال (آتوني زبر الحديد) فما زالوا يأتونه بذلك وهو يبني (حتى إذا ساوى بين الصدفين) الجبلين (قال انفخوا) عليه بالنار فأوقدوا النار على ذلك الحديد ونفخوها بمنافخ الحدادين «حتى إذا جعله ناراً» في منظره من الحمى واللهب وصار قطعة واحدة لزم بعضه بعضاً (قال آتوني أفرغ عليه قطراً) الشيء المذاب من النحاس والرصاص والحديد فصب الجميع على ذلك الحديد المحمي الملتهب فصار جداراً مصمتاً فكانت حجارته الحديد وطينته النحاس المذاب ونحوه من الرصاص وغيره فلما تم وكملت بنايته (فما استطاعوا أن يظهروه) أن يعلوا عليه ويصعدوه لعلوه وارتفاعه (وما استطاعوا له نقبا) أن ينقبوا أسفله لكثافته وصلابته حيث إن ارتفاعه مائتا ذراع في عرض خمسين ذراع وموقع هذا السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط فلما كمل قال ذو القرنين ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ نعمة من الله تعالى أنعم بها على عباده في دفع شر يأجوج ومأموج.

وإن يأجوج ومأجوج لما رأوا السد جعلوا يدأبون في حفره نهارهم حتى إذا أمسوا وكادوا يبصرون شعاع الشمس قالوا نرجع غداً ونفتحه ولا يستثنون فيعودون من الغد وقد استوى كما كان حتى إذا جاء وعد الله قالوا غداً نفتح ونخرج إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه بالأمس فيخرقونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون سهامهم إلى السماء فترجع وفيها كهيئة الدم فيقولون قد قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله تعالى عليهم نغفاً في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيهلكون بها فسبحان القادر على كل شيء.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top