خطبة الجمعة 6/ 7/ 1434هـ – فضيلة شهر رجب

خطبة الجمعة 6/ 7/ 1434هـ – فضيلة شهر رجب

الحمد لله الذي يؤمن الخائفين، وينجي الصالحين، ويرفع المستضعفين، ويضع المستكبرين، ويهلك ملوكا ويستخلف آخرين. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

اللهم وصل على محمد عبدك ورسولك، وأمينك وصفيك، وحبيبك وخيرتك من خلقك، وحافظ سرك، ومبلغ رسالاتك، أفضل وأحسن ما صليت وباركت وترحمت وتحننت على أحد من خلقك، وصل على إمام المتقين وأمير المؤمنين، وعلى البضعة المظلومة سيدة نساء العالمين، وعلى الأئمة الأطهار الميامين.

اعلم أن هذا الشهر وشهر شعبان وشهر رمضان أفضل شهور السنة، قال رسول الله|: (إن من عرف حرمة رجب وشعبان ووصلهما بشهر رمضان؛ شهر الله الأعظم شهدت له هذه الشهور يوم القيامة، وكان رجب وشعبان وشهر رمضان شهوده بتعظيمه لها، وينادي مناد: يا رجب يا شعبان ويا شهر رمضان كيف عمل هذا العبد فيكم وكيف كانت طاعته لله عزوجل؟ فيقول رجب وشعبان وشهر رمضان: يا ربنا ما تزود منا إلا استعانة على طاعتك واستمداداً لمواد فضلك، ولقد تعرض بجهده لرضاك، وطلب بطاقته محبتك.

فقال للملائكة الموكلين بهذه الشهور: ماذا تقولون في هذه الشهادة لهذا العبد؟ فيقولون يا ربنا صدق رجب وشعبان وشهر رمضان، ما عرفناه إلا متقلباً في طاعتك، مجتهداً في طلب رضاك، صائراً فيه إلى البر والإحسان، ولقد كان يوصله إلى هذه الشهور فرحاً مبتهجاً، أمل فيها رحمتك، ورجا فيها عفوك ومغفرتك، وكان مما منعته فيها ممتنعاً، وإلى ما ندبته إليه فيها مسرعاً، لقد صام ببطنه وفرجه وسمعه وبصره، وسائر جوارحه، ولقد ظمئ في نهارها ونصب في ليلها، وكثرت نفقاته فيها على الفقراء والمساكين، وعظمت أياديه وإحسانه إلى عبادك، صحبها أكرم صحبة، وودعها أحسن توديع أقام بعد انسلاخها عنه على طاعتك، ولم يهتك عند إدبارها ستور حرماتك، فنعم العبد هذا.

فعند ذلك يأمر الله تعالى بهذا العبد إلى الجنة، فتلقاه ملائكة الله بالحباء والكرامات، ويحملونه على نجب النور، وخيول النّواق، ويصير إلى نعيم لا ينفد ودار لا تبيد، لا يخرج سكانها، ولا يهرم شبانها، ولا يشيب ولدانها، ولا ينفد سرورها وحبورها، ولا يبلى جديدها، ولا يتحول إلى الغموم سرورها لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب، قد أمنوا العذاب، وكفوا سوء الحساب وكرم منقلبهم ومثواهم).

صيام شهر رجب:

وعنه| أيضاً: (إن شهر رجب شهر الله الأكبر، ولا يبلغ شهر فضله وحرمته، وإن القتال فيه محرم، ألا إن رجباً شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي، ألا فمن صام من رجب يوماً إيماناً واحتساباً استوجب رضوان الله الأكبر، وأطفأ صومه في ذلك اليوم غضب الله وأغلق عنه باباً من أبواب النار).

وبسند معتبر عن الإمام موسى بن جعفر×: (من صام ثلاثة أيام من رجب وجبت له الجنة).

وقال×: (رجب نهر في الجنة أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، ومن صام يوماً من رجب سقاه الله عزوجل من ذلك النهر).

وبسند معتبر عن الإمام الصادق×: (من صام ثلاثة أيام من رجب كتب له عن كل يوم ثواب سنة، ومن صام سبعة أيام منه أُغلقت عنه أبواب النيران السبعة، ومن صام ثمانية أيام منه فتحت له أبواب الجنان الثمانية، ومن صام خمسة عشر يوماً أُعطي مسألته، ومن صام شهر رجب كله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأعتق من النار، وأدخل الجنة مع المصطفين الأخيار).

روى ابن بابويه بسند معتبر عن سالم قال: دخلت على الصادق× في رجب، وقد بقيت منه أيام فلما نظر إلي قال لي: يا سالم هل صمت في هذا الشهر شيئاً؟ قلت لا والله يابن رسول الله. فقال لي: لقد فاتك من الثواب ما لم يعلم به إلا الله عزوجل. إن هذا شهر قد فضله الله وعظّم حرمته، وأوجب للصائمين فيه كرامته، قال: فقلت له: يابن رسول الله فإن صمت مما بقي شيئاً هل أنال فوزاً ببعض ثواب الصائمين فيه؟ فقال: يا سالم من صام يوماً من آخر هذا الشهر كان ذلك أماناً من شدة سكرات الموت، وأماناً له من هول المطلع وعذاب القبر، ومن صام يومين من آخر هذا الشهر كان له بذلك جوازاً على الصراط، ومن صام ثلاثة أيام من آخر هذا الشهر أمن يوم الفزع الأكبر من أهواله وشدائده، وأُعطي براءة من النار.

وأيضاً عن الإمام أمير المؤمنين×: (من صام يوماً من رجب في أوله أو في وسطه أو في آخره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن أحيا ليلة من ليالي رجب أعتقه الله تعالى من النار وقبل شفاعته في سبعين ألف رجل من المذنبين، ومن تصدق بصدقة في رجب ابتغاء وجه الله تعالى أكرمه الله يوم القيامة في الجنة من الثواب، وقبل شفاعته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).

وبسند معتبر عن الصادق× أنه قال: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش أين الرجبيون؟ فيقوم أناس يضيء وجوههم لأهل الجمع على رؤوسهم تيجان الملك، مكللة بالدر والياقوت، مع كل واحد منهم ألف ملك عن يمينه وألف ملك عن يساره، ويقولون: هنيئاً لك كرامة الله عزوجل يا عبد الله. فيأتي النداء من عند الله جل جلاله: عبادي وإمائي وعزتي وجلالي لأكرمن مثواكم ولأجزلن عطاياكم، ولأوتينكم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين، إنكم تطوعتم بالصوم لي في شهر عظّمتُ حُرمَته وأوجَبتُ حقه. ملائكتي! أدخلوا عبادي وإمائي الجنة).

ثم قال جعفر بن محمد×: هذا لمن صام من رجب شيئاً ولو يوماً واحداً في أوله أو وسطه أو آخره.

وبسند معتبر عن الإمام الرضا× أنه قال: (من صام أول يوم من رجب رضي الله عنه يوم يلقاه، ومن صام يومين من رجب رضي الله عنه يوم يلقاه، ومن صام ثلاثة أيام من رجب رضي الله عنه وأرضاه وأرضى عنه خصماءه يوم يلقاه، ومن صام سبعة أيام من رجب فتحت أبواب السماوات السبع لروحه إذا مات حتى يصل إلى الملكوت الأعلى، ومن صام ثمانية أيام من رجب فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام من رجب خمسة عشر يوماً قضى الله عزوجل له كل حاجة إلا أن يسأله في مأثم أو قطيعة رحم، ومن صام شهر رجب كله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأعتق من النار، ودخل الجنة مع المصطفين الأخيار). وقد ورد في الروايات أنَّ من لا يستطيع الصيام عليه أن يُكثر من الصدقة والذكر.

عُمرة رجب:

ويستحب أداء العمرة المفردة في كل شهر، وأفضلها في شهر رجب. فقد ورد عن الصادق× قولهُ: (المعتمر يعتمر في أي شهور السنة شاء وأفضل العمرة عمرة رجب). وورد في صحيفة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله×: (أفضل العمرة عمرة رجب)، وورد أيضاً في صحيفة معاوية بن عمّار: (عمرة رجب أفضل من عمرة شهر رمضان)، وقد سُئل× أيضاً: (أي العمرة أفضل؟ عمرةٌ في رجب أو عمرةٌ في شهر رمضان؟ فقال: لا، بل عمرةٌ في رجب أفضل).

والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top