خطبة الجمعة 17/5/1434هـ – مظاهر الوحدة الاجتماعية

خطبة الجمعة 17/5/1434هـ – مظاهر الوحدة الاجتماعية

 الحمد لله رب العالمين، خالق الخلائق أجمعين، ديان يوم الدين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب قلوب العالمين، أبي القاسم محمد وآله الطاهرين.

   قال تعالى: ‭{‬واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا‭}‬

   حث الإسلام على العناية بمظاهر الوحدة الإسلامية، حيث إنها تشكل مظهرا من مظاهر القوة الاجتماعية والوحدة الدينية، التي تنبأ عن التمسك بالمسار الأخلاقي الرفيع، ومن هنا حتمت على المسلمين السعي وراء التفاهم والتعاون؛ لخلق نموذج فريد من التكافل الراقي الذي يدعم قوة المجتمع، وسد الطريق أمام المغرضين الذين يريدون بمجتمعنا الانهيار والتقهقر، من خلال أعمالهم الشنيعة والوحشية.

   ومن هذا المنطلق لابد أن نقول بأن الأخوة، علاقة وثيقة تنفذ إلى أعماق النفوس، فتحتم على المسلمين أن يشتركوا في كل ماينهض بالفرد والمجتمع. وقد أثر عن الرسول (ص) أنه بعث رجلا في حاجة فأبطأ عليه فلما مثل عنده قال له: ما أبطأك؟ فقال: العري. فقال له الرسول (ص): أما كان لك جار له ثوبان يعيرك أحدهما؟ فقال: بلى يارسول الله. فتألم (ص) واندفع يقول: (ما هذا لك بأخ).

   إن هذا النص يوضح لنا ماهو المطلوب أن نكون عليه كمسلمين إخوة متحابين، يؤثر بعضنا بعضا، ناهيا عن أسباب التفرقة وعن العوامل التي تفتك بالمجتمع. يقول إمامنا الصادق(ع): (المسلم أخو المسلم هو عينه ومرآته ودليله لا يخونه، ولا يظلمه، ولا يخدعه، ولا يكذبه، ولا يغتابه،) ويقول الإمام الباقر(ع): ( إن المؤمن أخو المؤمن لا يشتمه ولا يحزنه، ولا يسيء الظن به).

   إن الإسلام حثنا على التمسك بعوامل الترابط التي تشكل قوة المجتمع، والتي نشير إلى بعضها

   العامل الأول: قضاء حوائج الأخوان. وقد أكد الإسلام على ضرورته وحث على السعي في تحقيقه، وجعله من المستحبات التي أكد عليها رسول الأمة وأهل بيته الطاهرين، كما في الأخبار الواردة قال الإمام الباقر (ع): ( تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فإن للجنة بابا يقال له المعروف لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا، فإن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكل الله عز وجل به ملكين، واحد عن يمينه، وآخر عن شماله، يستغفرون له ربه ويدعوان له بقضاء حاجته).

   العامل الثاني: إصلاح ذات البين. الذي ورد في الحديث إنه أفضل من عامة الصلاة والصيام، وهو أمر يحتاج إلى:

   أولا: جهود واعية من المخلصين، ونشاط صادق، وخطوات مدروسة، وإلمام عام بالمشكلة، حتى تتضح الرؤية الشرعية بشكل كامل.

   ثانيا: طرح الحلول المتعددة، وتجنب العشوائية والانفعال، لأن نتيجته عادة ما تكون سلبية، بل من يطرح الحلول ينبغي أن يكون شخصا يتحلى بالمرونة بعيدا عن العواطف والميول.

   ثالثا: اختيار الشخص والطرق والحلول المناسبة لطبيعة الفرد، لأنها تحقق الهدف بشكل سريع وسليم.

   رابعا: التوجه العاقل والهادء لتنفيد المهمة، والاستمرار والمتابعة الطيبة؛ لكي لا تموت المساعي الحميدة. ومن هنا نحتاج إلى الجهود المخلصة الجادة لإنجاز المهام.

   خامسا: التطبيق الصحيح لما يتفق عليه، أو ما توصلت إليه المساعي الحميدة، وعند وجود الصعاب والعقبات، وهو أمر طبيعي، علينا أن نتوجه إلى أساليب أكثر فاعلية ونضج، حتى نوفق في حل مشاكلنا ومن سار على الدرب وصل.

   العامل الثالث: إغاثة الملهوف. قال رسول الله (ص): (من نفس عن مسلم كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). وقال أبو عبد الله الصادق (ع): (أيما مؤمن نفس عن مؤمن كربة وهو معسر يسر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مؤمن عورة يخافها ستر الله عليه سبعين عورة من عورات الدنيا والآخرة، والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه فانتفعوا بالعظة وارغبوا في الخير).

   وقال الإمام الباقر (ع): (من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على المؤمنين) وقال الإمام الرضا (ع): (من فرج عن مؤمن فرج الله قلبه يوم القيامة).

   العامل الرابع: التزاور. حيث إنه من أعظم أسباب التآلف والتعاون والتواصل فيما بين أفراد المجتمع، بل هو من المظاهر الطيبة والمحببة بين أفراد المجتمع السليم، وقد حثت عليه الأخبار الكثيرة. قال علي (ع): (لقاء الإخوان مغنم جسيم، وإن قلوا). وقال الباقر (ع): إلى خيثمة أن يبلغ شيعته (أبلغ من ترى من موالينا، وأوصهم بتقوى الله العظيم، وأن يعود غنيهم على فقيرهم، وقويهم على ضعيفهم، وأن يشهد حيهم جنازة ميتهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقيا بعضهم بعضا حياة لأمرنا… رحم الله من أحيا أمرنا).

   وقال الإمام جعفر (ع): (تزاوروا فإن في زيارتكم إحياءا لقلوبكم، وذكرا لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم ونجوتم، وإن تركتموها ضللتم وهلكتم فخذوا بها، وأنا بنجاتكم زعيم).

   العامل الخامس: التعاطف والتراحم. الذي من خلاله لا يستطيع العدو أن ينفذ بيننا، أو أن يضعف قوتنا، بعتبار أن المجتمع المتراحم يشكل اليد الواحدة القوية أمام الأعداء.

    كما أن التراحم والتعاطف من أوثق الأسباب التي ترفع البأس والحرمان وسد يد العوز في المجتمع.قال الإمام الصادق (ع): (اتقوا الله وكونوا أخوة بررة متحابين في الله، متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا، وتذاكروا أمرنا واحيوه). وقال الإمام الصادق (ع): (يحق على المسلمين الإجتهاد في التواصل والتعاون والتعاطف والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمرهم الله عز وجل رحماء بينهم، متراحمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (ص)). وقال الإمام الصادق (ع): (تواصلوا وتباروا وتراحموا وتعاطفوا).

والحمد لله رب العالمين.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top