حديث البهيمة

حديث البهيمة

قف على حديث البهيمة، وادرس منه حالة البشر، وخذ لنفسك منه ما تستطيع أن تكون ممن نظر فاعتبر، وتفكر فأبصر.

روي أن لقمان u قال لولده في وصية: لا تعلق قلبك برضى الناس ومدحهم وذمهم، فإن ذلك لا يحصل ولو بالغ الإنسان في تحصيله بغاية قدرته.

وهذا معنى ما جاء عن سادات البشر E: mرضى الناس غاية لا تدركn.

فقال له ولده: ما معناه؟ أحب أن أرى لذلك مثالاً أو فعالاً؟ فقال له: أخرج أنا وأنت.

فخرجا وأخذا بهيمة من الأُتُن، فركبها لقمان وترك ولده يمشي خلفه، فاجتازا على قوم، فقالوا: هذا شيخ قاسي القلب، قليل الرحمة، يركب هو الدابة وهو أقوى من هذا الصبي ويتـركه يمشي وراءه، إن هذا بئس التدبـير.

فقال لولده: سمعت قولهم وإنكارهم لركوبي ومشيك؟ قال: نعم.

فقال له: هلمَّ فاركب أنت يا ولدي حتى أمشي أنا، فركب ولده ومشى خلفه، فاجتازا على قوم من الناس قالوا: هذان بئس الوالد وبئس الولد، أما أبوه فإنه لم يؤدبه حتى بلغ به الحال أنه يركب ويتـرك أباه يمشي خلفه، والوالد أحق بالركوب والاحتـرام، وأما الولد فقد أساء مع أبيه لأنه عقَّه بهذا الفعل، فكلاهما أساءا في الفعال.

فقال لقمان لولده: سمعت قولهم وإنكارهم؟ قال: نعم.

فقال: هلمَّ نركب معاً، فركب وأردف ولده خلفه، فمرَّا على قوم، فقالوا: ما في قلبَي هذين الراكبين رحمة، ولا عندهما من الله خير، يركبان الدابة معاً ويقطعان ظهرها، ويحملانها ما لا تطيق، لو ركب أحدهما ومشى الآخر كان أصلح وأجود.

فقال له: سمعت؟ قال: نعم.

فقال: هات نتـرك الدابة تمشي خالية ونمشي خلفها، فساقا الدابة ومشيا خلفها فاجتازا على جماعة، فقالوا: هذا عجيب من هذين الشخصين، يتـركان دابة فارغة تمشي بغير راكب ويمشيان، وذموهما على ذلك، كما ذموهما على كل ما كان.

فقال لولده: ترى في رضاهم حيلة لمحتال؟ فلا تلتفت إليهم واشتغل برضا الله، ففيه شغل شاغل عن كل شيء.

وما أحسن ما جاء عن أمير المؤمنين u في هذا المعنى في وصيته لولده الحسن u حيث قال:

mوما طلابك لقوم إن كنت عالماً عابوك، وإن كنت جاهلاً لم يرشدوك، إن طلبت العلم قالوا متكلِّف، وإن تركت طلب العلم قالوا عاجز، إن أنفقت قالوا مسرف، وإن أمسكت قالوا بخيل، وإن نطقت قالوا مهذار، وإن سكت قالوا ألكنn.

وقد نظم بعضهم ذلك، فأحسن وأجاد:

وما أحد من ألسن الناس سالماً

ولو أنه ذاك النبي المطهر

فإن كنت مقداماً يقولون أهوج

وإن كنت مفضالاً يقولون مبذر

وإن كنت صوّاماً وبالليل قائماً

يقولون زوّار يرائي ويمكر

وإن كنت سكيتاً يقولون ألكن

وإن كنت منطقياً يقولون مهذر

فلا تكتـرث بالناس في المدح والثنا

ولا تخشَ إلا الله والله أكبر

وقال بعضهم يصف حاله وحالهم:

لا أشتكي زمني هذا فأظلمه

وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن

هم الذئاب التي تحت الثياب فلا

تكن إلى أحد منهم بمؤتمِن

قد كان لي كنز صبر فافتقرت إلى

إنفاقه في مداراتي لهم ففني

فإذا كان الحال كذلك:

بمن يثق الإنسان فيما ينو به

ومن أين للحر الكريم صحاب

وقد صار هذا الناس إلا أقلهم

ذئاباً على أجسادهنَّ ثياب

فليس إلا تكرار قوله تعالى: ]وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ[، كما هو الحال في الرخاء كذلك في الشدة وتعليل النفس، يقول بعضهم:

قل للذي بصروف الدهر عيَّرنا

هل عاند الدهر إلا من لـه خطر

ألا ترى البحر تعلو فوقه جيَف

وتستقر بأقصى قعره الدرر

فإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا

ونالنا من تمادي بؤسه ضرر

ففي السماء نجوم لا عداد لها

وليس يكسف إلا الشمس والقمر

وكم على الأرض من خضراء مورقة

وليس يرجم إلا من لـه ثـمر

 

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top