حدث في مثل هذا اليوم (8 ربيع الثاني)

حدث في مثل هذا اليوم (8 ربيع الثاني)

في هذا اليوم 8 /4/ 10 أو 11 من الهجرة توفيت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء÷ على رواية أنها توفيت بعد أبيها بأربعين يوماً (صلوات الله وسلامه عليها، وعلى أبيها وبعلها وبنيها، وعلى شيعتها ومحبيها).

***

وفي هذا اليوم اليوم الثامن من شهر ربيع الثاني، وقيل: في العاشر منه الموافق يوم الجمعة أو يوم الاثنين من سنة 232 هجرية ولد بالمدينة المنورة الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت الإمام الحسن العسكري× من أم يقال لها سليل. وقد روي عن زوجها الإمام الهادي× أنه قال فيها: «سليل مسلولة من الآفات والعاهات، والأرجاس والأنجاس». ومما جاء في مولده×:

طلع الفجر مشرقاً بالضياء  *** وتلالا بطيبة النوراءِ
وتجلى الصباح عن مولد الطهـ *** ـر أبي القائم البهي الرواءِ
وتهادى الزمان في حلل النو *** ر بصبح معطر الأجواءِ
غمر النور طيبة الوحي والبيـ *** ـت استنارت أرجاؤه بالضياءِ
والصفاء نورت ونور يا لمر *** وة والحجر مزهر بالبهاءِ
مولد عطر العوالم حتى *** غمر الطيب ساكن الصحراءِ
لأبي القائم الذي عطر الكون *** شذاه وعمه بالبهاءِ
هو غص من دوحه المجد قد ر *** فّ ندياً بواحة خضراءِ
دوحة المجد والعلا في البرايا *** ومنار العلوم والعلماءِ
وبميلاده تسامى منار *** يرشد السالكين في الظلماءِ
هنِّ طه به وهنِّ علياً *** فهو فرع من فاطم الزهراءِ
يا إماماً لك المناقب بانت *** باهرات كالشمس بالأضواءِ
يا إماماً شبابه كربيع الـ *** ـدهر يزكو بعاطر الأشذاءِ
هيبة الله جللتك فأحنت *** لك رأساً مكايد الأعداءِ
فإذا أنت كالنبي جلالاً *** وسناء في طلعة وبهاءِ

قال المؤلف (سامحه الله):

فهنيئاً لنا بمولدك الميـ *** ـمون إذ جاء بالبها والسناء
فيه أفراحنا وافراحنا فيـ *** ـه دليل على عظيم الولاء
فهنيئاً مهدينا فلك البشـ *** ـرى بميلاد خيرة الآباء
هو خير الآباء بعد أبيه *** وله أنت خيرة الأبناء

***

وفيه من سنة 296 هجرية يوم الأربعاء أو ليلته توفي موسى المبرقع ابن الإمام محمد الجواد بقم المقدسة. وكان عندما ورد إلى قم أخرجه أهلها منها، ثم اعتذروا منه وأدخلوه وأكرموه، واشتروا له من أموالهم داراً ومزارع، فحسن حاله وجاءت إليه أخواته زينب وميمونة وبويهية وأم محمد، وقد دفنّ كلهن عند فاطمة المعصومة، أما هو فقد دفن في داره في المكان المعروف أنه مدفون اليوم به. وبقي بعده عقبه الصالح بقم المقدسة مكرمين معظمين إلى اليوم. وقيل بوفاته بتاريخ 22 / 4 /196.

***

وفيه من سنة 357 هجرية استشهد أبو فراس الحارث بن سعيد الحمداني&، وكان فريد عصره، وشمس دهره أدباً وفضلاً، وكرماً ونبلاً وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة. وأما شاعريته فقد قال عنه الصاحب بن عباد المتوفى 24 /2/ 385 بدئ الشعر بملك وختم بملك. يعني امرأ القيس وأبافراس. وكان المتنبي المتوفى بتاريخ 28 /9/ 354 هجرية يشهد له بالتقدم والتبريز، ويتحامى جانبه، فلا ينبري لمباراته، ولا يتجرأ على مجاراته.

ومن شعره قصيدته الميمية التي أنشأها عندما سمع أن بعض ملوك بني العباس ينتقصون أبناء علي×، ويفخرون عليهم، فأنشأها غيرة على الدين، ودفاعاً عن أهل البيت الطاهرين. ودخل بغداد عاصمة ملك العباسيين ومعه نحو خمسمائة مقاتل، فوقف بينهم، وأنشد هذه القصيدة على مسمع من الناس ومنظر. وتسمى هذه القصيدة بالشافية؛ لأنه& شفى بها قلوب قوم مؤمنين. وقد شرحت بعدة شروح، ومطلعها قوله:

الحق مهتضم والدين مخترمُ *** وفيء آل رسول الله مقتسمُ

  وقال فيها:

يا للَرجال أما لله منتصر *** من الطغاة وما للدين منتقمُ
بنو علي رعايا في ديارهُمُ *** والأمر يملكه النسوان والخدمُ
محلّؤون فأصفى شربهم وشل *** عند الورود وأوفى وردهم لهمُ
فالأرض إلا على ملاكها سعة *** والمال إلا على أربابه ديم
فما السعيد بها إلاّ الذي ظُلموا *** وما الشقي بها إلاّ الذي ظَلموا
لا يطغين بني العباس ملكهم *** بنو علي مواليهم وإن رغموا
أتفخرون عليهم لا أبا لكُمُ *** حتى كأن رسول الله جدكمُ
فما لجدّكُمُ مسعاة جدهُمُ *** ولا نثيلتكم من أمهم أممُ
ياباعة الخمر كفوا عن مفاخرة *** لمعشر بيعهم يوم الهياج دم
خلوا الفخار لعلامين إن سُئلوا *** يوم السؤال وعمَّالين إن علموا
لا يغضبون لغير الله إن غضبوا *** ولا يقولون غير الحق إن حكموا
تنشا التلاوة في أبياتهم سحراً *** وفي بيوتكُمُ الأوتار والنغمُ
منكم عليَّة أم منهم وكان لكم *** شيخ المغنين إبراهيم أم لهمُ
إذا تلوا سورة غنى إمامكُمُ *** (قف بالديار التي لم يعفها القدمُ)
الركن والبيت والأستار منزلهم *** وزمزم والصفا والحجر والحرمُ
كم غدرة لكُمُ في الدين واضحة *** وكم دم لرسول الله عندكُمُ
أأنتُمُ آله فيما ترون وفي *** أظفاركم من بنيه الطاهرين دمُ
ليس الرشيد كموسى في القياس ولا *** مأمونكم كالرضا لو أنصف الحكمُ القلم
باؤوا بقتل الرضا من بعد بيعته *** وأبصروا بعض يوم رشدهم فعموا
للمتقين من الدنيا عواقبها *** وإن تعجل فيها الظالم الأثِمُ

وقد ولد هذا الشاعر الكبير، والعبقري الشهير سنة 320 هجرية، واستشهد يوم الأربعاء 8 /4/ 357 هجرية، وعمره 37 سنة فقط. وكان سبب شهادته أنه لما مات ابن عمه سيف الدولة بتاريخ 25 /2/ 356 هجرية كما تقدم عزم أبو فراس هذا على التغلّب على حمص، وتطلع إلى ملكها. وكان مقيماً بها فاتصل خبره إلى ابن أخته أبي المعالي ابن سيف الدولة الذي ورث ملك أبيه، وإلى غلام أبيه قرعويه، فتحاملا عليه وطلباه، فانحاز إلى قرية «صدد» التي في طريق البرية عند حمص، فجمع أبو المعالي الأعراب من بني كلاب وغيرهم، وسيّرهم في طلبه مع غلام أبيه قرعويه، فكبسوه بالقرية المذكورة «صدد»، فاستأمن أصحابه واختلط هو بمن استأمن منهم ظناً منه أنه يشمله الأمان بذلك، فلما عرفه قرعويه أمر بقتله، فقتل وأخذ رأسه، وترك جثته في البرية حتى دفنها بعض الأعراب.

قال ابن خالوية: بلغني أن أبا فراس أصبح يوم قتله حزيناً كئيباً، فرأته ابنته زوجة أبي العشائر كذلك، فأحزنها حزناً شديداً، ثم بكت فأنشأ يخاطبها:

أبنيتي لا تحزني *** كل الأنام إلى ذهابْ
أبنيتي صبراً جميـ *** ـلاً للجليل من المصابْ
نوحي عليّ بحسرة *** من خلف سترك والحجابْ
قولي إذا ناديتني *** فعييت عن رد الجوابْ
زين الشباب أبوفرا *** س ما تمتع بالشبابْ([1])

فكانت هذه الأبيات آخر ما قاله من الشعر.

ولما بلغ أخته أم أبي المعالي خبر قتله لطمت وجهها حتى انقلعت عينها، رحمه الله الجميع برحمته، وأسكنهم فسيح جنته.

***

وفيه من سنة 616 هجرية توفي ببغداد محب الدين أبو البقاء عبدالله بن الحسين العُكبري البغدادي الحنبلي الذي أصابه الجدري في صغره فأذهب بصره. وهو البغدادي الحنبلي صاحب كتاب (التبيان في إعراب القرآن)، والذي شرح (المفصّل) و(المقامات) و(ديوان المتنبي). والعُكبري بضم العين نسبة إلى عُكبرة بليدة على دجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ.

وهو غير أبي البقاء قيم مشهد أميرالمؤمنين×، وصاحب القصة المشهورة والتي ملخصها أن في سنة 501 أصابت أهل النجف مجاعة، فمضى قوَّام المشهد الشريف من شدة الضر إلى القرى، وبقي أبو البقاء بن سويقة، وكان له من العمر مئة سنة وعشر، فأضرّ به وبعياله الحال، فقال له عياله: اخرج بنا كما خرج أمثالك بعيالهم؛ فلعل الله أن يفتح علينا بشيء نعيش به. فمضى إلى أميرالمؤمنين× وودعه وقال: عزّ عليّ فراقك يا مولاي؛ فقد مضت علي مئة سنة وأنا في خدمتك، وما فارقتك إلى مكان آخر، والآن ألجأني الحال إلى الخروج عنك، فهذا فراق بيني وبينك.

وسلم المفتاح الذي بيده إلى الخازن، فلما رجع إلى منزله ونام تلك الليلة التي عزم على الخروج في صبيحتها، رأى الإمام في منامه، فأمره بالبقاء، فانتبه وجعل يبكي، ورجع إلى الخازن وطلب منه المفتاح الذي سلمه إليه، واستمر على عادته في خدمة المشهد الشريف. وفي اليوم الثالث من رجوعه عن رأيه رأى رجلاً يحمل مخلاة كهيئة المشاة إلى طريق مكة، وطلب منه أن يأتيه بأوزان الذهب، فخرج إلى صائغ يعرفه وجاء له بذلك، فجمع الرجل جميع الأوزان، ووزن له بمقدارها ذهباً، وصبّها في حجره، وقال له: هذا لك عطية ممن أمرك بالبقاء عنده، ولو جئت بأكثر من هذا من الأوزان لأعطيتك بمقدارها.

فوقع أبو البقاء مغمى عليه، فما أفاق إلا وقد مضى الرجل لشأنه، وجاء أبو البقاء بالذهب إلى منزله، وأصلح شأنه. رحمه الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

***

وفيه من سنة 776 هجرية توفي ابن معية تاج الدين أبوعبد الله محمد ابن السيد جلال الدين العلوي الحسني الديباجي الحلي، العالم الفاضل، الجليل القدر، صاحب كتاب (معرفة الرجال) وكتاب (نهاية الطالب في نسب آل أبي طالب). ويقال عنه: إنه لمّا وقف على نسب بعض العلويين، وعرف قبح بعض أعمالهم كتب:

يعزّ على أسلافكم يا بني العلا *** إذا نال من أعراضكم شتم شاتمِ
بنوا لكُمُ مجد الحياة فما لكم *** أسأتم إلى تلك العظام الأكارمِ
أرى ألف بانٍ لا تقوم بهادم *** فكيف ببان خلفه ألف هادمِ([2])

رحمه الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

***

وفيه من سنة 1339 هجرية توفي آية الله الشيخ فتح الله بن محمد النمازي المشهور باسم شيخ الشريعة (رحمه الله برحمته) وأصله من مدينة شيراز من اُسرة كريمة تعرف بالنمازية، نسبة إلى جدهم المعروف باسم الحاج محمد علي النمازي الذي كان معروفاً بالورع والصلاح؛ فلكثرة مداومته على النوافل والصلوات عرف بالنمازي؛ إذ إن كلمة «نماز» باللغة الفارسية معناها الصلاة.

هاجر والد المترجم إلى مدينة أصفهان، وفيها كانت ولادة المترجم بتاريخ 12 /3/ 1266 هجرية. وقد تلقى مبادئ العلوم فيها حيث حضر على دروس علماء تلك البلدة أي أصفهان المشهورة حينئذٍ برواج سوق العلم. ثم سافر إلى المشهد الرضوي، وكان ذلك الوقت مزدحماً بكثير من الأجلّاء، فظهر فيها فضله، ثم رجع إلى أصفهان، وأخذ في البحث والتدريس بطريقة أعجب بها طلاب العلم. واشتاق بعد ذلك إلى زيارة العتبات المقدسة ولقاء أجلّاء العلماء، فلما وصل إلى النجف الأشرف اجتمع حوله المحصّلون، فتصدى للبحث والتدريس. وفي سنة 1313 هجرية قصد بيت الله الحرام وزيارة النبي وآله الكرام، ثم رجع إلى النجف، وتصدى للبحث والتدريس، والإملاء والتصنيف.

وكان يمتاز بمشاركته في فنون الفلسفة القديمة، والحكمة الإلهية، زيادة على العلوم الإسلامية في الكلام والحديث والرجال وخلافيات الفرق والمقالات، ومالها وما عليها من الحجج والأدلّة. فرجع إليه كثير من الناس، وقلدوه في الفتاوى والأحكام. وبعد وفاة السيد محمد كاظم اليزدي صاحب (العروة الوثقى) المتوفى بالنجف بتاريخ 28 /7/ 1337 هجرية، وبعد وفاة الميرزا محمد تقي الشيرازي المتوفى بكربلاء بتاريخ 3/ 12/ 1338 هجرية أصبح المقلَّد الوحيد للشيعة في غالب الأقطار إلى أن توفي بالنجف الأشرف بالتأريخ المذكور 8 /4/ 1339 هجرية، رحم الله الجميع برحمته. وأسكنهم فسيح جنته.

***

وفي هذا اليوم 8 ربيع الثاني سنة 1374 هجرية توفي بالبحرين العلامة الجليل، والخطيب الكبير الشيخ محمد علي ابن الحاج علي آل حميدان البحراني الذي تولى القضاء في البحرين سنة 1357 بعد تنازل الشيخ علي ابن الشيخ جعفر آل أبي المكارم المتوفى بسيهات القطيف بتاريخ 5 /5/ 1364 هجرية، وما زال قاضياً حتى يوم وفاته بالتاريخ المتقدم 8 /4/ 1374. وكان معروفاً بالحزم والصلابة في تنفيذ الأحكام الشرعية، حتى إنه تعرض لطعنة غادرة بسكين من بعض من أصدر عليه حكماً قضائياً لم يرضَ به. ومن الجميل جداً أنه لم يؤاخذه بعمله، بل عفا عنه واحتسب ذلك عند الله؛ فكانت عاقبة الفاعل وخيمة، أما المترجم فقد عاش عزيزاً إلى يوم وفاته.

وكان قد قرأ في ذلك اليوم مجلس تعزية باسم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء÷؛ لأن ذلك اليوم يوم وفاتها على رواية أنها عاشت بعد أبيها أربعين يوماً كما تقدم، وقد وقع إلى جانب المنبر، ونقل في الحال إلى المستشفى، ولكنه توفي قبل وصوله إليه. وقد شيع تشييعاً مهيباً لم يُرَ مثله. وقد رثاه كثير من الشعراء، ومنهم الخطيب الكبير والشاعر الشهير الشيخ الملا عطية الجمري المتوفى بتاريخ 30 /10/ 1401 هجرية، فإنه رثاه بقصيدة، وقال فيها:

بكت المنابر للخطيب الأوحدِ *** وغدا النهار كنجم ليل أسودِ

وفي آخر هذه المرثية قال مؤرخاً عام وفاته:

قد كان نوراً في الورى فلأجل ذا *** أرّخت (باكٍ غاب نور محمدِ)

وإذا كانت ولادة المترجم كما قيل عنه سنة 1319 هجرية؛ فعمره يوم وفاته 55سنة فقط. رحمه الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته.

__________________

([1]) الغدير 3: 414، يتيمة الدهر 1: 113.

([2]) عمدة الطالب: 213.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top