تـذيـيل

تـذيـيل

لعله لم يفت عليك ما انطوت عليه هذه الفقرات الذهبية من المعاني التي لا تحتاج إلى تفسير من أن المراد بالعلم هو الآخرة حقيقة، حيث إن صحة الأعمال الدنيوية متوقفة عليه ومنوطة به، فلا غناء لأحد عنه، وإذا كانت المعاملات كذلك فالعبادات بالطريق الأولى مدلولة بحديثي: mاطلبوا العلم ولو في الصينn، وmطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمةn.

وفي معنى حديث mالتاجر فاجر ما لم يتفقهn، أدل دليل على ذلك فهو شريف إلى غاية ما يتصور، فيجب على ذويه صيانته وحفظه وتعظيمه، ليعظموا من أجله وتحفظ كرامتهم من قبله وترعى صيانتهم من ناحيته، وليحذروا من فعل العكس فسوف يلقون غياً لكونهم السبب في إهانته وعدم صيانته، كما قال بعضهم:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا

محياه بالأطماع حتى تجهما

وابن المبارك يقول في ابن عُلية ذلك العالم الذي لم يعرف للعلم قيمة ولم يقم له وزناً، بل جعله شبكة يصيد بها ما أمكنه من الدنيا:

يا جاعل العلم لـه بازياً

يصطاد أموال المساكين

احتلت للدنيا ولذاتها

بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنوناً بها بعدما

كنت دواء للمجانين

أين رواياتك في سردها

عن ابن عوف وابن سيرين

أين رواياتك فيما مضى

لتـرك أبواب السلاطين

إن قلت أكرهت فذا باطل

زلّ حمار العلم في الطين

ويقول العارفون: إن العلم لا يتـرك صاحبه، فإما أن يأخذ بيده إلى الجنة وإما إلى النار، وبعضهم يقول:

لو كان في العلم من دون التقى شرف

لكان أفضل خلق الله إبليس

والعالم إذا حفظ ما استودعه الله من العلم وعرف كرامته وصانه عما يشينه رقى به إلى الأوج ولا شيء فوق الجنة التي تباح له يوم القيامة فيدخل من أي أبوابها شاء، كيف لا ومداده يفضل دماء الشهداء حينما يكون عاملاً بما علم، وإذا كان على خلاف ذلك فما أحراه بقول بعضهم وقد كتبه لبعض من يعظون ولا يتعظون ويعلمون ولا يعملون ناصحاً له حيث يقول، وبعض النصح تأنيب:

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء وأنت أحوج للدوا

وتعالج المرضى وأنت سقيم

وأراك تلقح بالرشاد عقولنا

هذا وأنت من الرشاد عقيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يُسمع ما تقول ويُشتفى

بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

فأجابه يقول:

خذ علومي ولا تنظر إلى عملي

ينفعك علمي ولا تثقلك أوزاري

إن العلوم كأشجار لها ثمر

خذ الثمار وخلِّ الجذع للنار

نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top