المنافقون

المنافقون

﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

هذه الآية وما قبلها نزلت في عبدالله بن أبي وأصحابه وذلك أن رسول الله‘ بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحرث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي‘ فلما سمع بهم رسول الله خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له «المرسييع» من ناحية قديد الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم بني المصطلق وقتل منهم من قتل ونفل رسول الله‘ أبنائهم ونسائهم وأموالهم فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير من بني غفار يقال له: جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان الجهني من بني عوف الخزرجي على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين فأعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال وكان فقيراً فقال عبدالله بن أبي لجعال إنك لهتاك فقال وما يمنعني أن أفعل ذلك واشتد لسان جعال على عبدالله فقال عبد الله والذي يحلف به لأزرنك ويهمك غير هذا وغضب ابن أبي وعنده وهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن فقال ابن أبي قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله‘ ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموه أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ولا وشكوا أن يتحولوا من بلادكم ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم فقال زيد بن أرقم أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك ومحمد‘ في عز من الرحمن ومودة من المسلمين والله لا أحلبك بعد كلامك هذا فقال له اسكت إنما كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله‘ وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر فأمر رسول الله بالرحيل وأرسل إلى عبدالله فأتاه فقال له ما هذا الذي بلغني عنك فقال عبدالله والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئاً من ذلك قط وإن زيداً لكاذب وقال من حضر من الأنصار يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه بكلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون هذا الغلام وهم في حديثه فعذره رسول الله وفشت الملامة من الأنصار لزيد ولما استقل رسول الله فسار لقيه أسيد بن الخضير فحياه بتحية النبوة ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله‘ أو ما بلغك ما قال صاحبكم زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه وإنه ليرى أنك قد استبلته ملكاً وبلغ عبدالله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت لا بد فاعلاً فمرني به فإنا أحمل إليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني وإني أخشى أن تأمر به رجلاً غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبدالله بن أبي أن يمشي في الناس فأقتله فأكون قد قتلت مؤمناً بكافر فأدخل النار فقال له النبي‘ بل ترفق به وتحسن صحبته ما بقي معنا قالوا وسار رسول الله بالناس يومهم ذاك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياماً وإنما فعل ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي خرج من عبدالله بن أبي ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له بقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم فتخوفوها وضلت ناقة رسول الله‘ وذلك ليلاً فقال مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة فقيل من هو قال رفاعة فقال من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته إلا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبرئيل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة وأخبر رسول الله‘ بذلك أصحابه وقال ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلم ولكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي هي في الشعب فذهبوا إليها فإذا هي كما قال فجاءوا بها وآمن ذلك المنافق فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت أحد بني قينقاع وكان من عظماء اليهود وقد مات ذلك اليوم قا ل زيد بن أرقم فلما وافى رسول الله‘ المدينة جلست في البيت لما بي من الهم والحياء فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبدالله بن أبي فأخذ رسول الله بأذن زيد وقال يا غلام صدق فوك وسمعت أذناك ووعى قلبك وقد أنزل الله تعالى فيما قلت قرآناً وكان عبدالله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاء ابنه عبدالله بن عبدالله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة قال مالك ويلك قال والله لا تدخلها إلا بإذن من رسول الله‘ ولتعلمن اليوم من الأعز ومن الأذل فشكى عبدالله ابنه إلى رسول الله‘ فأرسل إليه أن خل عنه يدخل فقال أما إذا أمر رسول الله فنعم فدخل فلم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات.

وبان كذب عبد الله هذا أنه قيل له نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال أمرتموني ان أؤمن فقد آمنت وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد، فنزل فيه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top