العـقـــــل

العـقـــــل

جاء في كتاب (الأذكياء) عن إدريس عن جده وهب بن منبه أن لقمان قال لابنه: يا بني، لا يتم عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال:

الكبر عند مأمون، والرشد فيه مأمول، يصيب من الدنيا القوت، وفضل ماله مبذول، التواضع أحب إليه من الشرف، والذل أحب إليه من العز، لا يسأم من طلب الفقه طول دهره، ولا يتبرَّم من طلب الحوائج من قبله، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه.

والخصلة العاشرة التي بها مجده وإعلاء ذكره: أن يرى جميع أهل الدنيا خيراً منه، وأنه شرهم، وإن رأى خيراً منه سره ذلك وتمنى أن يلحق به، وإن رأى شراً منه قال: لعل هذا ينجو وأنا أهلك، فهنالك حين استكمل العقل.

وفيه عن مكحول: أن لقمان قال لابنه: غاية الشرف والسؤدد حسن العقل، ومن حسن عقله غطى ذلك جميع ذنوبه، وأصلح ذلك مساويه ورضي عنه مولاه الخ.

وقال: يا بني، اعقل عن الله عز وجل، فإن أعقل الناس عن الله عز وجل أحسنهم عملاً، وإن الشيطان ليفر من العاقل ولا يستطيع أن يكايده.

يا بني، ما عُبِد الله تبارك وتعالى بشيء أفضل من العقل.

وحكي أنه قيل للقمان: من العاقل؟

فقال: الذي لا يصنع في السر ما يستحي منه في العلانية، وإن حسن طلب الحاجة نصف العلم، والتودد إلى الناس نصف العقل، والتقدير في المعيشة نصف الكسب.

وجنود العقل كما عن عالم أهل البيت E:

الخير وزير العقل، الإخلاص، العلم، التهيئة، الرفق، الستـر، النفس، الصبر، التذكرة، التوبة، الدعاء، التصديق، الإسلام، الشهامة، المداراة، البركة، الرهبة، الحلم، النظافة، الراحة، الحفظ، المواساة، النشاط، السلامة، الحق، الإيمان، الطمع في الغفران، سلامة العيب، البر للوالدين، الصمت، العفو، السهولة، الحكمة، المودة، الفرح، الإلفة، العدل، الأمانة، التوكل، الصلاة، العفة، الحقيقة، التقية، الرحمة، الصفا، الوقار، الاستغفار، السخاء، الحب في الله عز وجل، الفهم، الصوم، الزهد، التواضع، والإنصاف، الحياء، الغنى بالله عز وجل، التعطف، المحافظة، الإغضاء، الصدق، الرجاء، المعرفة، الجهاد، الكتمان، التؤدة، الاستسلام، القصد، العافية، القناعة، الوفا، الشكر، الرضا، الرأفة، الحج، صون الحديث، المعروف، التسليم، اليقين، القوام، السعادة، الطاعة، …الخ.

وبالجملة: العقل ما عُقِل به عن السيئات وحض القلب على الحسنات، والعقل معقل عن الدنيات، ونجاة من المهلكات، والنظر في العواقب قبل حلول المصائب، والوقوف عند مقادير الأشياء قولاً وفعلاً، وقد أجمع الحكماء والعلماء والفقهاء أن جميع الأمور كلها قليلها وجليلها محتاجة إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجربة.

وقالوا: العقل سلطان وله جنود، فرأس جنوده التجربة، ثم التمييز، ثم الفكر، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم سرور الروح، لأن به ثبات الجسم، والروح سراج نوره العقل.

وفي الحديث: ما قسم الله لعباده خيراً من العقل.

وروي أن جبرئيل u أتى آدم u فقال: إني أتيتك بثلاث فاختـر واحدة منهن.

فقال: وما هي؟

فقال: الحياء، والعقل، والدين.

فقال آدم: قد اختـرت العقل، فخرج جبرئيل إلى الدين والحياء، وقال لهما: ارجعا فقد اختار العقل عليكما، فقالا: إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان.

وقال بعضهم: من استـرشد إلى طريق الحزم بغير دليل العقل فقد اخطأ منهاج الصواب، والعقل مصباح يكشف به عن الجهالة، ويبصر به الفضل من الضلالة، ولو صور العقل لا ظلمت معه الشمس، ولو صور الجهل لأضاء معه الليل، وما شيء أحسن من عقل زانه أدب، ومن علم زانه ورع، ومن حلم زانه رفق، ومن رفق زانه تقوى.

وروي أن جبرئيل أتى النبي 2 وقال: يا محمد أتيتك بمكارم الأخلاق كلها في الدنيا والآخرة. فقال 2: وما هي؟

فقال: ]خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ[، وهو يا محمد عفوك عن ظلمك، وإعطاء من حرمك، وصلة من قطعك، وإحسانك إلى من أساء إليك، واستغفارك لمن اغتابك، ونصحك لمن غشَّك، وحلمك عمن أغضبك، فهذه الخصال قد تضمنت مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة، وأنشد بعضهم قوله:

خذ العفو وأمر بعرف كما

أُمرتَ وأعرض عن الجاهلين

ولن في الكلام لكل الأنام

فمستحسن من ذوي الناقصين

ومن طرق العقل الحميدة: القناعة وهي كنز لا يفنى، والصدقة وهي عز باق، وتمام عز الرجل استغناؤه عن الناس.

ومن طرقه أيضاً الحياء، وقد قيل:

إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤه

ولا خير في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه

ومنها حسن الخُلُق، وعن النبي 2 أنه قال: mأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاًn.

وروي أن يحيى بن زكريا لقي عيسى بن مريم E فتبسَّم في وجهه، فقال يحيى: ما لي أراك لاهياً كأنك آمن؟ فقال عيسى: ما لي أراك عابساً كأنك آيس؟ فقالا: لا نبرح حتى ينـزل علينا وحي، فأوحى الله عز وجل إليهما: أحبكما إلي أحسنكما خُلُقاً.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top