العـتـــــق

العـتـــــق

إن لقمان كان في بادئ أمره ومنذ نشأ عبداً مملوكاً قد اشتراه مولاه القين بن خسر من رجل قصار من أهل مدينة أيلة بثلاثين ديناراً ونش([1])، فكان عبداً مملوكاً له غير أنه لم يكن كسائر العبيد لما جُبل عليه من المزايا التي توجب التقدم قهراً، فهو ذلك التقي الورع الزاهد المتفاني في حب طاعة المولى تبارك وتعالى.

وكان ذا هيبة عظيمة وعزة منيعة، مصداقاً لقول الإمام (ع):«وإن أردت عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عز وجل».

فلقمان الحكيم عبد ولكنه حر الفكر والنظر والبصيرة، لذا كان عند مولاه كمستشار ومعتمد؛ يرجع إليه بالمشورة في الأمور المهمة التي يعجز عنها ذووا الأفكار الحصيفة، فتنجح على يديه.

ولقد كان مولاه يأتمر بما يأمر وينتهي عما ينهى، فكان آمراً ناهياً، ويدلنا على ذلك قول مولاه وقد ابتلي ببلاء من أصحابه عجز عن حله: «يا لقمان إني ادخرتك لمثل هذا اليوم».

وسأوقفك على نبذ أحواله معه، تلمسك الحقيقة الراهنة، فتؤمن سريعاً بصحة قولنا فيه، وأن مولاه أحس بتلك الأيادي الجميلة التي طوقه بها لقمان، فرأى أحسن شيء يكافيه به أن يعتقه ليملك حريته حقيقة، فكان منه ذلك، فعاد لقمان حراً بدون أن يُكسب بفضل أو جميل.



([1]) النش مراد به النصف، ونش كل شيء نصفه.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top