السفـــــر

السفـــــر

عرف لقمان u وكل خبير بأحوال الزمان أن الإنسان مهما كان لوطنه ملازماً ساكناً بيته حريصاً على مفارقة محل مولده ومسقط رأسه، لا بد له من مغادرة وطنه يوماً ما، فيسافر والسفر قطعة من سقر كما قيل، وبما أنه كذلك يحتاج إلى رياضة نفس وسعة صدر وأخلاق تلائم أخلاق من يواجه ويكون في معاملة الناس خصوصاً في السفر، كما قال البهائي (أعلى الله مقامه):

أعامل أبناء الزمان بمقتضى

عقولهم كيلا يفوهوا بإنكار

ويستعين على ذلك بسائر ما يحتاج إليه البشر من أدوات ودابة وطعام وشراب، كل بحسب حاله، ينشر على الجميع بردة السماح فيبدأ بالنوال قبل السؤال، ويتحمل الخطأ والصواب من أصحابه على كل حال، فأوصى لقمان ولده حاثاً له على ذلك وتعليماً لغيره، فقال:

يا بني، إذا سافرت فسافر بسيفك وخفك وكسائك وسقائك وإبرك وخيوطك ومخرزك، وتزود من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك، واحذر أن تنامنّ على دابتك فليس ذلك من فعل الحكماء، إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد فيه لاستـرخاء المفاصل، فإذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك فإنها تعينك، وابدأ بعلفها قبل نفسك فإنها نفسك، وإياك والسفر في الليل، وعليك بالتعريس([1]) فيه، وعليك بالادلاج([2]) من نصف الليل إلى آخره.

وفي السفر فوائد كثيرة قلَّما يخيب المسافر منها أو بعضها، وإليك بعض ما جاء عن رسول الله 2: mسافروا تصحوا، وجاهدوا تغنموا، وحجوا تستغنمواn.

وقال: mسافروا فإنكم إن لم تغنموا مالاً أفدتم عقلاًn.

وقال: mالسفر ميزان القومn، لكشفه عن الأخلاق. وبهذه المناسبة سمي سفراً، لأنه يسفر عما أكنَّه الحضر من خُلُق حسن أو سيء، فهو مرآة لمن يريد الاختبار والكشف، وهذا أقل ما يستفيد به المسافر، وقد نظم بعضهم ما يمكن أن يتأتى للمسافر من الفوائد، فقال:

تغرَّب عن الأوطان في طلب العلى

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرّج همٍّ واكتساب معيشة

وعلم وآداب وصحبة ماجد

فإن قيل: في الأسفار ذل ومحنة

وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد

فموت الفتى خير لـه من معيشةٍ

بدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد



([1]) التعريس: هو النزول أثناء السير لأخذ الاستـراحة.

([2]) الادلاج: هو المسير.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top