الرس

الرس

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾.

جاء عن أمير المؤمنين علي(ع) أن من قصة أصحاب الرس أنهم كانوا قوماً يعبدون شجرة صنوبر يقال لها «شاه درخت» كان يافث ابن نوح غرسها على عين ماء يقال لها «روشاب» كانت أنبعت لنوح بعد الطوفان وإنما سموا أصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الأرض وذلك بعد سليمان بن داود وكانت لهم اثنا عشر قرية على شاطئ نهر يقال له الرسل من بلاد المشرق وبهم سمي ذلك النهر ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه ولا أعذب منه ولا ترى أكثر ولا أعمر منها فسمي إحداهن (أبان) والثانية (آذر) والثالثة (دي) والرابعة (بهمن) والخامسة (اسفندار) والسادسة (فروردين) والسابعة (ارديبهشت) والثامنة (خرداد) والتاسعة (مرداد) والعاشرة (تير) والحادي عشر (مهر) والثانية عشر (شهر يور) وكانت أعظم مدائنهم اسفندار وهي التي ينزلها ملكهم ويسمى تركوز بن غابور بن يارش بن سازن بو نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم(ع) وبها عين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية حبة من طلع تلك الصنوبرة فنبتت وصارت الحبة شجرة عظيمة وحرموا ماء العين والأنهار ولا يشربون منها ولا أنعامهم ومن فعل ذلك قتلوه ويقولون هو حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتنا ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم وقد جعلوا في كل قرية من كل شهر من السنة عيداً يجتمع إليه أهلها فيضربون على الشجرة التي بها كلة من حرير فيها من أنواع الصور ثم يأتوه بشاة وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة ويشعلون فيها النيران فإذا سطع الدخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خروا سجداً للشجرة يبكون ويتضرعون إليها أن ترضي عنهم وكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها الصبي إني قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفساً وقروا عيناً فيرفعوا رؤوسهم عند ذلك ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف ويأخذون الدست بند فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ثم ينصرفون وإنما سمت العجم شهورها بآبان ماه وآذرماه وغيرهما اشتقاقاً من أسماء تلك القرى يقول أهلها بعضهم لبعض هذا عيد شهر كذا وعيد شهر كذا حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليه صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقاً من ديباج عليه أنواع الصور، له اثنا عشر باباً كل باب لأهل قرية منهم ويسجدون للشجرة خارجاً من السرادق ويقربون لها من الذبائح أضعاف ما يقربون للشجرة التي في قراهم فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكاً شديداً ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً ويعدهم ويمنيهم بأكثر من وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلمون من الشرب والعزف فيكونون على ذلك اثني عشر يوماً ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون فلما طال كفرهم بالله عز وجل وعبادتهم غيره بعث الله سبحانه إليهم نبياً من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب فلبث فيهم زماناً طويلاً يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل ومعرفته وربوبيته فلا يتبعونه فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والنجاح وحضر عيد قريتهم العظمى قال: يا رب إن عبادك أبوا إلا تكذيبي والكفر بك وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر فأيبس شجرهم أجمع وأرهم قدرتك وسلطانك فأصبح القوم وقد يبس شجرهم فهالهم ذلك وفظع بهم وصاروا فرقتين فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول من إله السماء والأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه وفرقة قالت لا بل غضب آلهتكم حين رأت هذا الرجل بعينها ويقع فيها ويدعوكم إلى عبادة غيرها فحجبت حسنها وبهائها لكي تغضبوا عليه فتنتصروا منه فأجمع رأيهم على قتله فاتخذوا أنابيباً طوالاً من رصاص واسعة الأفواه ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى مثل اليراع ونزحوا ما فيها من الماء ثم حفروا في قرارها بئراً ضيقة المدخل عميقة وأرسلوا فيها نبيهم وألقموا فاها حجرة عظيمة ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا نرجوا الآن أن ترضى عنا آلهتنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها ويصد عن عبادتها ودفناه تحت تراب كبيرها يتشفى منه فيعود لنا نورها ونضرتها كما كان فبقوا يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول: سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربي فارحم ضعفي وقلة حيلتي وعجل بقبض روحي ولا تؤخر إجابة دعوتي حتى مات فقال الله تعالى لجبرئيل يا جبرئيل أيظن عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي، وأمنوا مكري، وعبدوا غيري، وقتلوا رسولي، أن يقوموا لغضبي، ويخرجوا من سلطاني، كيف وأنا المنتقم ممن عصاني، ولم يخش عقابي، وإني حلفت بعزتي لأجعلهم عبرة ونكالاً للعالمين، فلم يدعهم وهم في عيدهم ذلك إلا بريح عاصفة شديدة الحمرة فتحيروا فيها، وذعروا منها، وتضام بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت تتوقد وأظلتهم سحابة سوداء فألقت عليهم كالقير جمراً يلتهب فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص، فنعوذ بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top