الحذر من الدنيا

الحذر من الدنيا

عن حماد يرفعه إلى أبي عبدالله u قال: قال لقمان لابنه وهو يحذره من الدنيا.

يا بني، إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب إليك من دارٍ أنت عنها متباعد.

يا بني، خذ من الدنيا بلاغاً ولا ترفضها فتكون عيالاً على الناس، ولا تدخلها دخولاً يضر بآخرتك، وصم صوماً يقطع صهوتك، ولا تصم صوماً يمنعك من الصلاة، فإن الصلاة أحب إلى الله تعالى من الصيام.

يا بني، إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيه عالَم كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، واجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك.

يا بني، خف الله خوفاً لو أتيته ببر الثقلين خفت أن يعذبك، وارج الله رجاء لو أتيته بإثم الثقلين رجوت أن يغفر لك.

فقال ولده: يا أبه وكيف أطيق هذا وإنما لي قلب واحد؟

فقال له: يا بني، لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نوران: نور للخوف، ونور للرجاء، ولو وزنا لما زاد أحدهما على الآخر مثقال ذرة، فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله، ومن يصدق ما قال الله يفعل ما أمر الله، ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله، فإن هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض، فمن يؤمن بالله إيـماناً صادقاً، ومن أطاع الله خافه، ومن خافه فقد أحبه، ومن أحبه اتبع أمره، ومن اتبع أمره استوجب جنته ومرضاته، ومن لم يتبع رضوان الله هان عليه سخطه، نعوذ بالله من سخط الله.

يا بني، لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها، فما خلق الله خلقاً هو أهون عليه من الدنيا، ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثواباً للمطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين.

وفي رواية أنه قال لابنه: إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه خلق كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وليكن حشوك فيها إيـمانك بالله، وشراعها التوكل على الله، فلعلك تنجو وما أظنك ناجياً.

يا بني، ألا يخاف الناس ما يوعدون وهم في كل يوم ينقصون.

يا بني، إن الدنيا قليل وعمرك فيها قليل من قليل، وقد بقي قليل من قليل القليل.

يا بني، لا تؤخر التوبة فإن الموت يأتي بغتة.

يا بني، لا تشمت بالمصائب، ولا تعِّير المبتلى، ولا تمنع المعروف فإنه ذخيرة لك في الدنيا والآخرة.

يا بني، إنك من حين سقطت من بطن أمك استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، وأنت في كل يوم إلى ما استقبلت أقرب منك إلى ما استدبرت، فتـزود لدار أنت مستقبلها، وعليك بالتقوى فإنه أربح التجارات، وإذا أحدثت ذنباً، فأتبعه بالاستغفار والندم والعزم على ترك العود لمثله، واجعل الموت نصب عينيك والوقوف بين يدي خالقك، وتمثل شهادة جوارحك عليك بعملك، والملائكة الموكلين تستحي منهم ومن ربك الذي هو مشاهدك، وتذكر الموت وما بعده من الأهوال فتأخذ حذرك.

يا بني، لا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع مخصب فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهرت جزتَ عليها وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر، وأخربها ولا تعمرها، فإنك لم تؤمر بعمارتها، واعلم أنك ستسأل غداً إذا وقفت بين يدي الله تعالى عن أربعة أشياء:

1- شبابك فيما أبليته.

2- وعمرك فيما أفنيته.

3 و4- ومالك مما اكتسبته وفيما أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جواباً.

يا بني، إنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدتَ عليه أجراً، فأوفه عملك واستوف أجرك.

يا بني، لو تعلمت سبعة آلاف من الحكمة فاحفظ منها أربعاً وسر معي إلى الجنة:

1- احكم سفينتك فإن البحر عميق.

2- وخفف الحمل فإن العقبة كؤود.

3- وأكثر الزاد فإن السفر بعيد.

4- وأخلص العمل فإن الناقد بصير.

يا بني، لا تأس على ما فاتك من الدنيا، فإن قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك، وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك، وتعرَّض لمعروف ربك، وجدد التوبة في قلبك، واكمش فراغك قبل أن يقصد قصدك، ويقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد.

يا بني، إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيه ناس كثير، فتزود من عملها، واجعل سفينتك الإيمان بالله، وحشوها تقوى الله، ثم اركب الفلك تنجو وإني لخائف أن لا تنجو.

يا بني، الإيمان سفينة، وشراعها التوكل، وسكانها الصبر، ومجاديفها الصوم والصلاة والزكاة.

يا بني، من ركب البحر من غير سفينة غرق.

يا بني، أقلَّ الكلام، واذكر الله تعالى في كل مكان، فإنه قد أنذرك وحذرك وبصرك وعلمك.

يا بني، اتعظ بالناس قبل أن يتعظوا بك.

يا بني، اتعظ بالصغير قبل أن ينزل بك الكبير.

يا بني، إياك أن تستدين فتخون في الدين.

يا بني، إنك تخرج من الدنيا فقيراً، وتدع أمرك وأموالك عند غيرك قيّماً عليها فتصيِّره أميراً، فيكون المهنأ له والوزر عليك، ولا يصحبك من مالك في حفرتك إلا كفنك وأنت عنه مسؤول.

يا بني، إن الله تعالى قد رهن الناس بأعمالهم، فويل لهم مما كسبت أيديهم وأفئدتهم.

يا بني، لا تأمن من الدنيا والذنوب والشيطان فيها.

يا بني، إن الشيطان قد افتـتـن به الصالحون من الأولين، فكيف ينجو منه الآخرون؟

يا بني، اجعل الدنيا سجنك فتكون الآخرة جنتك.

يا بني، إنك لم تكلَّف حمل الجبال، ولن تكلَّف ما لا تطيقه، فلا تحمل البلاء على كتفك، ولا تذبح نفسك بيدك.

يا بني، إنه ليس كل من قال اغفر لي غفر له.

يا بني، إنك منذ هبطت من بطن أمك استقبلت الآخرة واستدبرت الدنيا، فإنك إن نلت مستقبلها أولى لك من مستدبرها.

يا بني، إن كل يوم يأتيك يوم جديد، يشهد عليك عند رب كريم.

يا بني، إنك مدرج في أكفانك ومحل قبرك ومعاين عملك كله.

يا بني، كيف تسكن دار من قد أسخطته؟؟ أم كيف تأكل من رزق من قد عصيته؟؟

وأختم هذا الفصل بما جاء عن أمير المؤمنين u في وصفها شعراً:

هي الدنيا تقول بملء فيها

حذار حذار من بطشي وفتكي

فلا يغرركم حسن ابتسامي

فقولي مضحك والفعل مبكي

أنا الدنيا كشهد فيه سم

وإلا جيفة طليت بمسك

وقال u:

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها

وسيق إلينا عذبها وعذابها

فلم أرها إلا غروراً وباطلاً

كما لاح في أرض الفلاة سرابها

وما هي إلا جيفة مستحيلة

عليها كلاب همهنَّ اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها

وإن تجتذبك نازعتك كلابها

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top