الأسباب الموجبة للحكمة

الأسباب الموجبة للحكمة

مرَّ عليك آنفاً تحت عنوان (مهنته) أن الحكمة الجبارة اقتضت أن لا يكون شيء إلا بسبب، لذا كان نجاح الأشياء مقروناً بتأتي أسبابها، وقلَّ أن يتأتى السبب ويتخلف المسبب كحكمة لقمان فإنه لما تأتت أسبابها لم تكن مختلفة، فجاءت فوق كل ظن بشكل يبهر العقول قرآناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، قال الله تعالى:[وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ]، وإليك نبذاً من تلك الأسباب:

كان u كثير الصمت إلا في خير، ولا يعرف منه غير الهدوء والسكينة والوقار، وكان قوياً في أمر الله، لا تأخذه فيه لومة لائم، متورعاً في الله، مستكيناً إلى جنبه، عميق النظر، طويل الفكر، مستعبراً بالعبر، لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد من الناس على بول أو غائط أو اغتسال لشدة تستـره وعمق نظره، وتحفظه في أمره، ولم يضحك من شيء مخافة الإثم، ولم يغصب قط، ولم يمازح إنساناً قط، ولم يفرح بشيء إن أتاه من أمر الدنيا، ولم يحزن على شيء فاته منها، ولم يبك على شيء ذهب من تحت يده من الدنيا قط حتى على موت أولاده فقد قدمهم أفراطاً -كما عرفت-، بل كان كثير البكاء من خشية الله.

ولم يمر برجلين يتخاصمان إلا أصلح بينهما، ولم يفارقهما حتى يتحابا ويتوادا، وكذا لو مر برجلين يقتتلان لم يمض عنهما، حتى يتحاجزا.

ولم يسمع من أحد قولاً استحسنه إلا سأله عنه وعن تفسيره وعمن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء.

وكان يغشى القضاة والملوك والسلاطين، فيرثي للقضاة بما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لغرتهم بالله عز وجل وطمأنينتهم في ذلك. ويتعلم ويعتبر، ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحتـرز به من الشيطان.

وكان يداوي قلبه بالفكر ويداري نفسه بالعِبَر، وكان لا ينطق إلا فيما يعنيه، فبذلك أوتي الحكمة ومنح العصمة.

وقيل له ذات يوم: ألست عبداً لآل فلان؟

قال: بلى.

قال: فما بلغ منك ما أرى؟

فقال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعني، وغضي بصري، وكفي لساني، وعفتي في بطني وطعمتي، فمن نقص عن هذا فهو دوني، ومن زاد عليه فهو فوقي ومن عمله فهو مثلي.

© 2016 كل الحقوق محفوظة لمؤسسة المصطفى للتحقيق والنشر

Scroll to top